فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 1777

قال يزيد: فنفر مني نفرة ظننت أنه سيأتي عليّ، ثم قال: قطع الله لسانك وأشمت بك عدوّك. أتشير عليّ بقتل أنصح الناس لنا، وأثقلهم على عدوّنا؟ أما والله لولا حفظي ما سلف منك، وأنّي أعدّها هفوة من رأيك لضربت عنقك، قم لا أقام الله رجليك! قال يزيد: فقمت وقد أظلم بصري، وتمنيت أن تسيخ

الأرض بي. فلما كان بعد قتله بدهر قال لي: يا يزيد أتذكر يوم شاورتك في أمر العبد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، وما رأيتني قد أدنى إلى الموت مني يومئذ! قال: فو الله لكان ذلك رأيي وما لا أشكّ فيه، ولكني خشيت أن يظهر ذلك منك فتفسد عليّ مكيدتي.

قال الربيع: سمعت المنصور يقول: الخلفاء أربعة، والملوك أربعة فالخلفاء: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ على ما نال من عثمان، وما نيل منه أعظم، ولنعم الرجل كان عمر بن عبد العزيز. والملوك: معاوية، وعبد الملك، وهشام، وأنا، ولنعم رجل الحرب كان حمار الجزيرة [1] من رجل لم يكن عليه طابع الخلافة.

وقال: من صنع مثل ما صنع إليه فقد كافأ، ومن أضعف كان شكورا، ومن شكر كان كريما، ومن علم أنّما صنع لنفسه لم يستبطىء الناس في شكرهم، ولم يستزدهم في مودّتهم، فلا تلتمس من غيرك شكر ما أسديته إلى نفسك.

استأذن سوّار قاضي البصرة على المنصور، فأذن له، فدخل وسلّم فقال المنصور: وعليك السلام. ادن أبا عبد الله فقال: يا أمير المؤمنين أأدنو على ما مضى عليه الناس أم على ما أحدثوا؟ فقال: بل على ما مضى عليه الناس، فدنا فصافحه ثم جلس فقال المنصور: يا أبا عبد الله، قد عزمت على أن أدعو أهل البصرة بسجلّاتهم، وأشريتهم، فقال: يا أمير المؤمنين نشدتك الله ألا تعرض لأهل البصرة. فقال: يا سوّار أبأهل البصرة تهدّدني؟ والله لهممت أن أوجّه إليهم من يأخذ بأفواه سككهم وطرقهم، ويضع السيف فيهم فلا يرفعه عنهم حتى يفنيهم، فقال: يا أمير المؤمنين ذهبت إلى غير ما ذهبت إليه، إنما كرهت لك أن تتعرض لدعاء الأرملة واليتيم، والشيخ الكبير الفاني، والحدث الضعيف. فقال: يا أبا عبد الله، أنا للأرملة بعل، ولليتيم أب، وللشيخ أخ، وللحدث الضعيف عمّ، وإنما أريد أن أنظر في سجلاتهم وأشريتهم لأستخرج ما في أيدي الأغنياء، مما أخذوه بقوّتهم

(1) حمار الجزيرة: هو مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية. تقدمت ترجمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت