ومنهم من أقعده من طلب المال ضؤولة نفسه، وانقطاع سببه، فقصّر به الحال على حاله، فتحلّى باسم القناعة، وتزيّن باسم الزهاد، وليس من ذلك في مراح ولا مفدى.
وبقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر فهم بين شريد نادّ، وخائف منقمع وساكت مكعوم، وداع مخلص وموجع ثكلان، قد أخملتهم التّقية، وشملتهم الذّلّة فهم في بحر أجاج أفواههم ضامرة، وقلوبهم قرحة. وعظوا حتى ملّوا، وقهروا حتى ذلّوا، وقتلوا حتى قلّوا فلتكن الدنيا أقلّ في أعينكم من حثالة القراظ وقراضة الجلم [1] واتّعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم، وارفضوها ذميمة، فإنها قد رفضت من كان أشفف بها منكم.
وقال ليونس بن سعيد الثّقفي: اتّق الله لا أطير بك طيرة بطيئا وقوعها.
قال: أليس بي وبك المرجع بعد إلى الله؟ قال: بلى، فأستغفر الله.
طلب زياد رجلا كان في الأمان الذي أخذه الحسن لأصحابه فكتب الحسن فيه إلى زياد: أما بعد فقد علمت ما كنا أخذنا لأصحابنا وقد ذكر فلأن أنك قد عرضت له، فأحبّ ألا تعرض له إلا بخير، فلما أتى زيادا الكتاب، ولم ينسبه فيه إلى أبي سفيان غضب وكتب:
من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن: أما بعد فإنه قد أتاني كتابك في فاسق يؤويه الفساق من شيعة أبيك وشيعتك. وايم الله لأطلبنّهم ولو بين جلدك ولحمك، وإن أحبّ الناس إليّ لحما أن آكله لحم أنت منه.
فلما قرأه الحسن بعث به إلى معاوية فلما قرأه غضب وكتب:
من معاوية إلى زياد. أما بعد فإن لك رأيين: رأيا من أبي سفيان ورأيا من سميّة. فأما رأيك من أبي سفيان فلحم وحزم، وأما رأيك من سمية فما يكون من رأى مثلها، وقد كتب إليّ الحسن بن علي أنك عرضت لصاحبه فلا تعرض له فإني لم أجعل لك عليه سبيلا. وإن الحسن بن علي لا يرمى به
(1) الجلم: المقص.