وكان بعضهم يباكر الأكل، فقيل له: اصبر حتى تطلع الشمس، فقال: أنا لا أنتظر بغدائي من يقدم من أقصى خراسان.
قيل لبعضهم: أيّ الطعام آثر في نفسك؟ قال: ما لم أنفق عليه.
قيل لبعضهم: كل من قدّامك. فقال: أترى من خلفي هوذا آكل؟ سمع ابن المغني مغنّيا يغنّي [1] : [الطويل]
أشارت بمدراها، وقالت لتربها ... أهذا المغيريّ الذي كان يذكر؟
فقال: سذابة [2] في رأس جدي قد عمل سلافة [3] أحسن من مدراها.
كان بعضهم إذا دعي فقدّم الخوان كان أوّل من يتقدم، ثم يقول:
{وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ََ} [طه: الآية 84] .
قيل لبعضهم: التمر يسبّح في البطن. فقال: إن كان التمر يسبّح فاللوزينج يصلي في البطن تراويح.
قيل لآخر: كيف أكلك؟ قال: كما لا يحبّه البخيل.
سمع آخر خشخشة الخلال فأمسك، فقيل له: كل. قال: حتّى يسكن هذا الإرجاف.
قيل لواحد: لم أنت حائل اللون؟. فقال: للفترة بين القصعتين، مخافة أن يكون الطعام قد فني.
قال بعضهم: كنت أمرّ في بعض أزقّة بغداد إذ صيح: الطريق الطريق فالتفتّ فإذا بإنسان محمول على محفّة، فقلت: ما أصابه؟ قيل: أكل الهريسة فأعجزته عن المشي والحركة، ونحن نحمله إلى منزله.
دخل العبدي على قوم يأكلون، فقالوا له: هلمّ. فقال: قد أكلت، ثم جلس يعظّم اللقمة ويبادر بالمضغ، فقيل له: ألست قد أكلت؟ فقال: الكذب يمرىء، ونعم الشيء الحموضة للخمار.
(1) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص 93، وخزانة الأدب 11/ 369، وبلا نسبة في شرح قطر الندى ص 216.
(2) السذابة: نوع من البقول.
(3) السلافة: أول كل شيء عصر.