فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 1777

وخطب الناس لمّا مات ابنه عبد الملك، فقال: الحمد لله الذي جعل الموت حتما واجبا على عباده، فسوّى فيه بين ضعيفهم وقويّهم، ورفيعهم ودنيّهم، فقال تبارك وتعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: الآية 185 الأنبياء: الآية 35العنكبوت: الآية 57] . فليعلم ذوو النّهى منهم أنّهم صائرون إلى قبورهم، مقرّون بأعمالهم، واعلموا أن لله مسألة فاحصة. قال تبارك وتعالى:

{فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمََّا كََانُوا يَعْمَلُونَ} (93) [الحجر: الآيتان 92، 93] .

وقال: إذا استأثر الله بشيء فاله عنه.

وقال في خطبة له: أيها الناس، إنما الدنيا أمل مخترم، وأجل منقض، وبلاغ إلى دار غيرها، وسير إلى الموت ليس فيه تعريج. فرحم الله امرءا فكّر في أمره، ونصح نفسه، وراقب ربّه، واستقال ذنبه. أيها الناس، قد علمتم أن أباكم أخرج من الجنة بذنب واحد، وأنّ ربّكم وعد على التوبة، فليكن أحدكم من ذنبه على وجل، ومن ربّه على أمل.

وقال: لا يتزوج من الموالي في العرب إلا الأشر البطر، ولا يتزوج من العرب في الموالي إلا الطّمع الطّبع.

وقال لابنه عبد الله: يا بنيّ التمس الرفعة بالتواضع، والشرف بالدّين، والعفو من الله بالعفو عن الناس، ولا تحقرنّ أحدا فإنك لا تدري لعلّ بعض من تزدريه عينك أقرب إلى الله منك وسيلة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، ولا تنس نصيب الناس منك.

وكتب إليه عديّ بن أرطاة لما حفر نهر عديّ بالبصرة: إني حفرت لأهل البصرة نهرا، أعذبت به مشربهم، وجادت عليه أموالهم، فلم أر لهم على ذلك شكرا، فإن أذنت لي قسمت عليهم ما أنفقته عليه.

فكتب إليه عمر: إني لا أحسب أهل البصرة عند حفرك لهم هذا النهر خلوا من رجل قال: الحمد لله. وقد رضي الله بها شكرا من جنّته، فارض بها شكرا من نهرك.

وخطب بعرفات فقال: إنكم قد أنضيتم الظّهر وأرملتم وليس السابق اليوم من سبق بعيره ولا فرسه، ولكن السابق اليوم من غفر له.

وخطب فقال: أيها الناس لا تستكثروا شيئا من الخير أتيتموه، ولا تستقلّوا شيئا منه أن تفعلوه، ولا تستصغروا الذنوب، والتمسوا تمحيص ما سلف من ذنوبكم بالتوبة، والعمل الصالح فيما غبر من آجالكم، فإن الحسنات يذهبن السّيّئات. وقد ذكر الله عزّ وجلّ قوما، فقال: {وَالَّذِينَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللََّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللََّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ََ مََا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (135) [آل عمران: الآية 135] وإياكم والإصرار على الذنوب فإن الله ذكر قوما بذنوبهم فقال: {كَلََّا بَلْ رََانَ عَلى ََ قُلُوبِهِمْ مََا كََانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلََّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصََالُوا الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقََالُ هََذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} (17) [المطفّفين: الآيات 1714] نار لا تطفأ، ونفس لا تموت، فهي كما وصف الله عزّ وجلّ: {كُلَّمََا أَرََادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهََا أُعِيدُوا فِيهََا} [السّجدة: الآية 20] ، و {كُلَّمََا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنََاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهََا لِيَذُوقُوا الْعَذََابَ} [النساء: الآية 56] فهل لأحد بهذا طاقة؟ من استطاع منكم ألّا يحجبه الله فليفعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت