فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 1777

حكي عن عدي بن الفضل قال: خرجت إلى عمر أستحفره بئرا بالعذبة، فقال له: وأين العذبة؟ فقلت: على ليلتين من البصرة، فتأسف ألا يكون بمثل

هذا الموضع ماء، فأحفرني واشترط عليّ أنه أوّل شارب يأتي السبيل. قال:

فحضرته في جمعة وهو يخطب فسمعته يقول: أيّها الناس، إنّكم ميّتون، ثم إنكم مبعوثون، ثم إنكم محاسبون فلعمري: لئن كنتم صادقين لقصرتم، ولئن كنتم كاذبين لقد هلكتم، أيّها الناس، إنه من يقدّر له رزق برأس جبل أو بحضيض أرض يأته، فأجملوا في الطلب.

قال: فأقمت عنده شهرا ما بي إلا استماع كلامه.

قيل: أتي الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج، فقال له: أما تقوّلت في الحجاج؟ قال: ما عسيت أن أقول في الحجاج؟ وهل الحجاج إلا خطيئة من خطاياك؟ وشررة من نارك؟ فلعنك الله، ولعن الحجاج معك. وأقبل يشتمهما، فالتفت الوليد إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: ما تقول في هذا؟ قال عمر: وما أقول فيه؟ هذا رجل يشتمكم، فإما أن تشتموه كما شتمكم أو تعفو عنه. فغضب الوليد وقال لعمر: ما أظنّك إلا خارجيّا. فغضب عمر وقال: ما أظنّك إلا مجنونا. وقام وخرج مغضبا. ولحقه خالد بن الرّيّان، فقال له: ما دعاك إلى ما كلمت به أمير المؤمنين؟ والله لقد ضربت بيدي إلي قائم سيفي أنتظره متى يأمرني بضرب عنقك. فقال له عمر: وكنت فاعلا لو أمرك! قال:

نعم. فلما استخلف عمر جاء خالد بن الريان، فقام على رأسه كما كان يقوم على رأس من كان قبله من الخلفاء. قال: وكان رجل من الكتاب يضر وينفع بقلمه، فجاء حتى جلس مجلسه الذي كان يجلس فيه الخلفاء. قال: فنظر عمر إلى خالد بن الريّان، وقال: يا خالد ضع سيفك فإنك تطيعنا في كل أمر نأمرك به، وضع أنت يا هذا قلمك فقد كنت تضر به وتنفع. ثم قال: اللهم إني قد وضعتهما لك فلا ترفعهما. قال: فو الله ما زالا وضيعين مهينين بشرّ حتّى ماتا.

وقال: ما كلمني رجل من بني أسد إلا تمنيت له أن يمدّ له في حجته، حتّى يكثر كلامه فأسمعه. ولذلك قال يونس [1] : ليس في أسد إلا خطيب أو شاعر أو قائف أو راجز أو كاهن أو فارس.

(1) يونس: لعله أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب البصري، الأديب النحوي، المتوفّى سنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت