أغدرا غدرا: يا أهل الجبن والتبديل ألم يزعكم الفتح المبين عن الخوض في ذمّ أمير المؤمنين. كلا والله، حتى تحملوا أوزاركم، ومن أوزار الذين كانوا قبلكم. كيف فاهت شفاهكم بالشكوى لأمير المؤمنين؟ بعد أن حانت آجالكم فأرجأها، وانثعبت دماؤكم فحقنها؟ الآن يا منابت الدّمن مشيتم الضّراء، ودببتم
الخمر. أما ومحمد والعباس لئن عدتم لمثل ما بدأتم لأحصدنّكم بظبات السيوف. ثم يغني ربّنا عنكم، ويستبدل قوما غيركم ثمّ لا يكونوا أمثالكم.
مهلا مهلا يا روايا الإرجاف، وأبناء النفاق، وأنسال الأحزاب وكفّوا عن الخوض فيما كفيتم، والتخطّي إلى ما حذّرتم قبل أن تتلف نفوس، ويقلّ عذر، ويذل عزّ. وما أنتم وتلك؟ ولم؟ ألم تجدوا ما وعد ربكم حقّا من إيراث المستضعفين مشارق الأرض ومغاربها؟ بلى، والحجر والحجر، ولكنه حسد مضمر، وحسك في الصدور. فرغما للمعاطس، وبعدا للقوم الظّالمين.
ولما أتى الخبر بقتل مروان بن محمد خطب عيسى بن علي فقال:
الحمد لله الذي لا يفوته من طلب، ولا يعجزه من هرب. خدعت والله الأشيقر نفسه، أو ظنّ أنّ الله ممهله؟ {وَيَأْبَى اللََّهُ إِلََّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} [التّوبة:
الآية 32]. فحتّى متى؟ وإلى متى؟ لقد كذبتهم العيدان الّتي افترعوها، وأمسكت السّماء درّها، والأرض ريقها، وقحل الزرع، وجفر فنيق الكفر، واشتمل جلباب الشرك، وأبطلت الحدود، وأهدرت الدّماء، وكان ربّك بالمرصاد، {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوََّاهََا (14) وَلََا يَخََافُ عُقْبََاهََا (15) } [الشّمس: الآيتان 14، 15] وانتاشكم عباد الله لينظر كيف تعملون. فالشكر الشكر عباد الله فإنه من دواعي المزيد. أعاذنا الله وإياكم من نفثات الفتن.
وخطب عبد الله بن علي لما قتل مروان بن محمد فقرأ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللََّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دََارَ الْبَوََارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهََا وَبِئْسَ الْقَرََارُ (29) } [إبراهيم: الآيتان 28، 29] .
ركض بكم يا أهل الشّام آل حرب وآل مروان، يتسكّعون بكم الظّلم، ويخوضون بكم مداحض المراقي، ويوطئونكم محارم الله ومحارم رسوله. فما يقول علماؤكم غدا عند الله؟ إذ يقولون: {رَبَّنََا هََؤُلََاءِ أَضَلُّونََا فَآتِهِمْ عَذََابًا ضِعْفًا مِنَ النََّارِ} [الأعراف: الآية 38] . فيقول: {لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلََكِنْ لََا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:
الآية 38].
أمّا أمير المؤمنين فقد أسفّ بكم إلى التوبة، وغفر لكم الزّلّة، وبسط لكم الإقالة بفضله. فليفرخ روعكم، وليعظكم مصارع من كان قبلكم. فهذه الحتيّ منكم مضرعة، وبيوتهم خاوية بما ظلموا، والله لا يحبّ الظّالمين.