لمّا خرج عمر بالعباس يستسقي به قال: اللهم إنّا نتقرّب إليك بعمّ نبيّك، وقفيّة آبائه وكبير رجاله، فإنّك تقول وقولك الحقّ: {وَأَمَّا الْجِدََارُ فَكََانَ لِغُلََامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكََانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمََا وَكََانَ أَبُوهُمََا صََالِحًا} [الكهف: الآية 82] فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ نبيّك في عمّه، فقد دلونا به إليك مستشفعين ومستغفرين، ثم أقبل على الناس فقال: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كََانَ غَفََّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمََاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرََارًا (11) } [نوح: الآيتان 10، 11] .
قال: رأيت العبّاس وقد طال عمره، وعيناه تنضحان، وسبّابته تجول على صدره، وهو يقول: اللهم أنت الراعي، لا تهمل الضالّة، ولا تدع الكسير بدار مضيعة، فقد ضرع الصّغير، ورقّ الكبير، وارتفعت الشّكوى، وأنت تعلم السّرّ وأخفى. اللهم فأغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا فإنّه لا ييأس من روحك إلّا القوم الكافرون.
قال: فشأت طريرة من سحاب. فقال الناس: ترون، ترون، ثم تلامّت واستتمّت، ومشت فيها ريح، ثم هدت ودرّت، فو الله ما برحوا حتى اعتلقوا الحذاء وقلّصوا المآزر وطفق الناس بالعباس يمسحون أردانه، ويقولون: هنيئا لك ساقي الحرمين.
روى الشعبي قال: قال لي عبد الله بن عباس: قال لي أبي العباس: يا بني إنّ أمير المؤمنين قد اختصّك دون من أرى من المهاجرين والأنصار، فاحفظ عني ثلاثا ولا تجاوزهنّ: لا يجرّبنّ عليك كذبا، ولا تغتب عنده أحدا، ولا تفشينّ له سرّا.
قال: فقلت يا أبا عباس كل واحدة خير من ألف، فقال: كلّ واحدة خير من عشرة آلاف.
قال العباس: شهدت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم حنينا، فلما انهزم الناس قال: ناد: يا أصحاب السّمرة، فناديت فو الله لكّان عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها.
قال أبو اليسر: لقيت العباس يوم أحد، فقال: أصاب القتل محمدا؟
قلت: الله أعزّ له وأمنع، فقال: جلل ما عدا محمّدا.
وقال العباس: يا بني عبد المطلب اختضبوا بالسّواد، فإنه أحظى لكم عند نسائكم، وأهيب لكم في صدور عدوّكم.
وقال لابنه: يا بني تعلّم العلم، ولا تعلّمه لترائي به، ولا لتباهي به، ولا لتماري به ولا تدعه رغبة في الجهل، وزهادة في العلم، واستحياء من التعلّم.