فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 1777

صاحب أبي السرايا. خطب حين انتهب أبو السرايا قصر العباس بن موسى بن عيسى، فقال:

أما بعد، فإنه لا يزال يبلغني أنّ القبائل منكم تقول: إنّ بني العباس فيء لنا، نخوض في دمائهم، ونرتع في أموالهم، ويقبل قولنا فيهم، وتصدق دعوانا عليهم، حكم بلا علم، وعزم بلا رويّة. عجبا لمن أطلق بذلك لسانه، أو حدّث به نفسه! أبكتاب الله حكم أم سنة نبيّه صلى الله عليه اتبع؟ أو بسط يدي له بالجور أمّل؟ هيهات هيهات، فاز ذو الحقّ بما نوى، وأخطأ طالب ما تمنّى، حقّ كلّ ذي حقّ في يده، وكلّ مدّع على حجته، ويل لمن اغتصب حقّا، وادعى باطلا، فلح من رضي بحكم الله، وخاب من أرغم الحقّ أنفه. العدل أولى بالأثرة وإن رغم الجاهلون، حقّ لمن أمر بالمعروف أن يجتنب المنكر، ولمن سلك سبيل العدل أن يصبر على مرارة الجور، كلّ نفس تسمو إلى همتها. ونعم الصاحب القناعة.

أيها الناس إن أكرم العبادة الورع، وأفضل الزاد التقوى فاعملوا في دنياكم، وتزوّدوا لآخرتكم. {اتَّقُوا اللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ وَلََا تَمُوتُنَّ إِلََّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

[آل عمران: الآية 102] . وإياكم والعصبية وحمية الجاهلية فإنهما تمحقان الدين، وتورثان النّفاق، خلّتان ليستا من ديني ولا دين آبائي رحمة الله عليهم. تعاونوا على البرّ والتّقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، يصلح لكم دينكم وتحسن المقالة فيكم. الحقّ أبلج، والسبيل منهج، والباطل لجلج، والناس مختلفون، ولكلّ في الحقّ سعة، من حاربنا حاربناه، ومن سالمنا سالمناه، والناس جميعا آمنون إلا رجلا نصب لنا نفسه، وأعان علينا بماله، ولو شئت أن أقول: ورجل قال فينا يتناول من أعراضنا قلت ولكن حسب امرئ ما اكتسب، وسيكفي الله.

وكان القائم بأمره وتدبير الحرب بين يدي أبو السرايا السري بن منصور الشيباني، ومرض في السنة نفسها ومات، فجأة، ويقال إن أبا السرايا سمّه. (انظر: البداية والنهاية 10/ 258 259) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت