ناصحا كما تحذر عداوة العاقل إذا كان لك عدوّا فيوشك الجاهل أن يورّطك بمشورته في بعض اغترارك، فيسبق إليك مكر العاقل ومورّط الجاهل، وإياك ومعاداة الرجال فإنه لا يعدمك منها مكر حليم ومفاجأة جاهل.
قال بعضهم: إني لعند عبد الله بن حسن رضي الله عنه وهو واقف على نهاية ما يكون من الخوف والجزع من مروان بن محمد إذا استأذن أبو عديّ الأموي الشاعر فأدخل، فبشّره بأن البيعة قد وقعت بالكوفة لعبد الله بن محمد أبي العباس السفاح، فوهب له عبد الله أربعمائة دينار، ودفع إليه ابناه إبراهيم ومحمد مثلها، ودفعت إليه أمّهما مائتي دينار فانصرف بألف دينار.
وقال السفّاح يوما لعبد الله: أما وعدتني أن تحضر ابنيك محمدا وإبراهيم؟ قال: والله ما أعلم علمهما. وأعلم منّي بأمرهما عمّهما حسن بن حسن. وكان حسن قد قال لعبد الله: إذا سألك عنهما فارم بأمرهما إليّ، فوجّه أبو العباس إلى حسن: إن أخاك زعم أن علم ابنيه عندك، وما أريدهما إلّا لما هو خير لهما، فوجّه إليه حسن: يا أمير المؤمنين، لم تنقص معروفك عند هذا الشيخ؟ وقد علمت أنه إن كان في قدر الله أن يلي ابناه أو أحدهما شيئا من هذا الأمر لم ينفعك ظهورهما، وإن كان لم يقدّر ذلك لم يضرّك استتارهما. فقال أبو العباس: صدق والله حسن، لا ذكرتهما بعد هذا وأمسك عن طلبهما.
ولما أخرج المنصور عبد الله بن حسن وأهل بيته من المدينة مقيّدين على جمال في محامل أعري كلّ واحد منهم يعادله جنديّ، وقعت عين عبد الله على أبي جعفر في الطريق فناداه: يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا بأسرائكم يوم بدر.
وكان عبد الله يقول في الحبس: اللهمّ إن كان هذا من سخطك فاشدد عليّ حتّى ترضى فبلغ ذلك جعفر الصادق رضي الله عنه فقال: رحم الله أبا محمّد أما إنّه لو سأل ربّه العافية كان خيرا له.
ومن كلام عبد الله: المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحلّ العقدة الوثيقة، وأقلّ ما فيه أن تكون المغالبة أشد أسباب القطيعة.
وكان يقال في ذلك الزمان: من أكرم الناس؟ فيقال: عبد الله بن الحسن، فيقال: من أحسن الناس؟ فيقال: عبد الله بن الحسن، فيقال: من أفضل الناس؟