ومشى قوم خلفه، فقال: عنّي خفق نعالكم فإنها مفسدة لقلوب نوكي [1]
الرجال.
وقال: أكبر الغيّ أن تعيب رجلا بما فيك، وأن تؤذي جليسك بما هو فيه عبثا به.
وقال: اتّقوا من تبغضه قلوبكم.
ودخل عليه السلام المقابر، فقال: «أمّا المنازل فقد سكنت، والأموال قد قسمت، والأزواج قد نكحت. فهذا خبر ما عندنا فما عندكم؟ ثم قال: والّذي نفسي بيده لو أذن لهم في الكلام لأخبروا أنّ خير الزّاد التّقوى» .
وخطب فقال:
أمّا بعد فإنّ الدّنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإنّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطّلاع، وإن المضمار اليوم وغدا السّباق. ألا وإنّكم في أيّام أمل من ورائه أجل فمن أخلص في أيّام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله، ولا يضره أمله، ومن قصّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله، وضرّه أمله.
فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة. ألا وإنّي لم أر كالجنة نام طالبها، ولم أر كالنار نام هاربها، ألا وإنّه من لم ينفعه الحقّ يضرّه الباطل، ومن لم يستقم به الهدى يخزيه الضّلال. ألا وإنكم قد أمرتم بالظّعن، ودللتم على الزّاد. وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل.
وقال له الأشتر [2] : كيف وجد أمير المؤمنين امرأته؟ قال: كالخير من امرأة جبّاء قبّاء. قال: وهل يريد الرجال من النساء غير ذلك يا أمير المؤمنين؟
قال: لا، حتى تدفئ الضّجيع، وتروي الرضيع.
(1) نوكي: جمع أنوك وهو الأحمق.
(2) الأشتر: هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي، المعروف بالأشتر، أدرك الجاهلية، وأول ما عرف عنه أنه حضر خطبة عمر في الجابية، وسكن الكوفة وشهد اليرموك وذهبت عينه فيها، وشهد الجمل وصفين مع علي، وولاه مصر فقعدها فمات في الطريق فقال علي: رحم الله مالكا فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وسلم توفي سنة 37هـ. (انظر: الأعلام 5/ 259، كتاب الثقات لابن حبان 5/ 389، الطبقات الكبرى لابن سعد 6/ 239) .