كيف يتعجّب من سخائه وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لجعفر أن يخلفه الله في ولده بأفضل ما خلف به أحدا من عباده الصالحين السخاء؟
أخذ سليمان بن عبد الملك ابن هبيرة بألف ألف درهم، فأتى يزيد بن المهلّب فقال: زاد الله في توفيقك وسرورك، أخذت بما لم يسعه مالي، فقلت:
ما لما نزل بي إلّا السيّد الكريم، مدره العرب، ووزير الخليفة، وصابح المشرق. فقام رجل من قوم ابن هبيرة فقال: أيها الأمير، إنه ما خصّ هذا عمّنا، وقد أتيناك فيما شكا، فإن تكفه فليس بأعجب ما فيك، وإن تدفعه فليس له غيرك. وقام آخر فقال: لو أصبنا أحدا فوقك اخترناه، أو دونك انحططنا إليه، وقد أتيناك فيما فدحه فإن تستقلله فقد ترجى لأكثر، وأن تستكثره فقد تضطلع دونه، فو الله ما الدخان بأدلّ على النار، والعجاج على الريح، من ظاهر أمرك على باطنه. وقام آخر فقال: عظم شأنك أن يستعان عليك أو يستعان بك، ولست تأتي شيئا من المعروف إلّا صغر عنك، وعظمت عنه، ولا غاية بلغها أحد من العرب إلا بلغتها، فحظّك فيها مقدم، وحقك فيها معظم، لا نقيسك بأحد من الملوك إلا عظمت عنه، ونزنك بأحد منهم إلا رجحت به، والله ما العجب أن تفعل، ولكن العجب ألّا تفعل. فقال يزيد: مرحبا بكم، وأهلا، إنّ خير المال ما قضي به الحقّ، وابتني به المكرمة، وإنما لي من مالي ما فضل عن الناس، وايم الله أن لو أعلم أحدا أهلا لحاجتكم مني أرشدتكم إليه، فاحتكموا وأكثروا، فقال ابن هبيرة: النّصف أصلحك الله، فقال: اغد على مالك فاقبضه، فدعوا له وقاموا فمضوا غير بعيد، فندموا، فظن ذلك بهم يزيد، فقال: ردّهم، فرجعوا فقالوا: أقلنا أصلحك الله، قال: قد فعلت، وتحملها كلّها عنه.
قال ابن عباس قدم علينا الوليد بن عتبة المدينة واليا كأنّ وجهه ورقة مصحف، فو الله ما ترك فينا عانيا [1] إلا فكّه، ولا غريما إلّا أدّى عنه، ينظر إلينا بعين أرقّ من الماء ويكلّمنا بكلام أحلى من الجنى، ولقد شهدت منه مشهدا لو كان من معاوية لذكرته منه أبدا: تغدّينا عنده، فأقبل الخبّاز بالصحفة، فعثر بوسادة، وبدرت الصحفة من يده، فو الله ما ردّها إلا ذقنه، وصار ما فيها في حجره، ومثل الغلام وما فيه من الرّوح إلّا ما يقيم رجله، فقام فدخل فغيّر
(1) العاني: الأسير.