واعلموا أن الملك والدّين توأمان، لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه لأن الدّين أسّ الملك وعماده، ثم صار الملك بعد حارس الدين، فلا بدّ للملك من أسّه ولا بدّ للدين من حارسه فإن ما لا حارس له ضائع، وإن ما لا أسّ له مهدوم، وأنّ رأس ما أخاف عليكم مبادرة السّفلة إياكم إلى دراسة الدّين وتأويله والتفقّه فيه فتحملكم الثقة بقوة الملك على التهاون بهم فتحدث في الدين رياسات مستسرّات فيمن قد وترتم وجفوتم وحرمتم وأخفتم وصغّرتم
من سفلة الناس والرعية وحشو العامّة، ولم يجتمع رئيس في الدين مسرّ ورئيس في الملك معلن في مملكة واحدة إلا انتزع الرئيس في الدين ما في يد الرئيس في الملك لأن الدين أسّ، والملك عماد، وصاحب الأسّ أولى بجميع البنيان من صاحب العماد. وقد مضى قبلنا ملوك كان الملك منهم يتعهّد الجملة بالتفتيش، والجماعات بالتفصيل، والفراغ وكانوا بالأشغال، كتعهّده جسده بقصّ فضول الشعر والظفر، وغسل الدّرن والغمر ومداواة ما ظهر من الأدواء وما بطن.
وقد كان من أولئك الملوك من صحّة ملكه أحبّ إليه من صحة جسده، وكان بما يخلّفه من الذكر الجميل المحمود أفرح وأبهج منه بما يسمعه بأذنه في حياته، فتتابعت تلك الأملاك بذلك كأنهم ملك واحد، وكأن أرواحهم روح واحدة، يمكّن أوّلهم لآخرهم، ويصدّق آخرهم أوّلهم، تجتمع أنباء أسلافهم ومواريث آرائهم وصياغات عقولهم عند الباقي منهم بعدهم، فكأنهم جلوس معه يحدّثونه، ويشاورونه، حتى كان على رأس دارا بن دارا ما كان من غلبة الإسكندر على ما غلب عليه من ملكنا، فكان إفساده أمرنا، وتفريقه جماعتنا، وتخريبه عمران مملكتنا أبلغ له فيما أراد من سفك دمائنا. فلما أذن الله في جمع مملكتنا ودولة أحسابنا كان من ابتعاثه إيانا ما كان «وبالاعتبار يتّقى العثار» ، ومن يخلفنا أوجد للاعتبار منا لما استدبروا من أعاجيب ما مرّ علينا.
اعلموا أن سلطانكم إنما هو على أجساد الرعية، وأنه لا سلطان للملوك على القلوب.
واعلموا أنكم إن غلبتم الناس على ما في أيديهم فلن تغلبوهم على عقولهم.
واعلموا أن العاقل المحروم سالّ عليكم لسانه، وهو أقطع سيفيه، وأن أشد ما يضربكم به من لسانه ما صرف الحيلة فيه إلى الدّين، فكان بالدّين يحتجّ، وللدين، فيما يظهر، يغضب فيكون للدين بكاؤه، وإليه دعاؤه، ثم هو أوجد للتابعين والمصدّقين والمناصحين والموالين والمؤازرين منكم، لأن بغضة الناس موكلة بالملوك، ومحبّتهم ورحمتهم موكلة بالضعفاء المغلوبين.
وقد كان من قبلنا من الملوك يحتالون لعقول من يحذرون، بتخريبها فإن العاقل لا تنفعه جودة تجربة إذا صيّر عقله خرابا. وكانوا يحتالون للطاعنين بالدين على الملوك فيسمّونهم بالمبتدعين، فيكون الدين هو الذي يقتلهم ويريح الملوك منهم.