هذا نبيّ معه البرهان ... أرسله بحقّه الدّيّان
وجاءه التّنزيل والفرقان ... فاتّبعه لا تحتالك الأوثان
فقالت: يا خالة، إنك لتذكرين ما قد وقع ذكره في بلدتنا فاثبتيه لي، فقالت: إن محمد بن عبد الله رسول من عند الله جاء بتنزيل الله، يدعو إلى الله، مصباحه مصباح، وقوله صلاح، ودينه فلاح، وأمره نجاح، وقرنه نطّاح، ذلّت له البطاح، ما ينفع الصّياح، لو وقع الذّباح، وسلّت الصّفاح ومرّت الرماح، قال:
ثم قامت فانصرفت ووقع كلامها في قلبي، وجعلت أفكر فيه. وذكر بعد ذلك إسلامه وتزويجه برقية، فكان يقال: أحسن زوج رقية وعثمان، فقيل فيهما:
أحسن زوج رآه إنسان، رقية وزوجه عثمان.
وروى المدائني: أن قريشا وثقيفا اختصموا في أرض، فجعلت ثقيف أمرها إلى كدام أو كلدة، وقام لقريش عبد المطلب، فقال الثقفي لعبد المطلب:
أنا فرك فأينا نفر فالمال لأصحابه، وتراضوا بسطيح، فخرجوا وخبأوا له عين جرادة، في خرزة مزادة، فساروا سبعا، فلما أتوه قال: لقد سرتم سيرا بلغ زعزعة، ووضع حتى تدليتم النقع في آخر السبع، قالوا: صدقت، قال: إن شئتم أخبرتكم قالوا: قد شئنا، قال: طار فسطع، فصاع فضبح، وامتلأ فنضح، قالوا:
زه، زه، زه، فقال الثقفي: احكم لأشدّنا ضرابا، وأكثرنا أعتابا، وأفضلنا رطابا [1] . فقال عبد المطلب: أحكم لأكرمنا فعلا، وأكثرنا ضيفانا، وأعظمنا جفانا، قال سطيح: والسماء والأرض، وما بينهما من جدد ودحض، لعبد المطلب أولى بكل خفض ورفع، وضر ونفع.
وذكر أن بني كلاب وبني رباب من بني نضر خاصموا عبد المطلب في مال قريب من الطائف، فقال عبد المطلب: المال مالي، فسلوني أعطكم، قالوا:
لا. قال: فاختاروا حاكما. قالوا: ربيعة بن حذار الأسديّ، فتراضوا به، عقلوا مائة ناقة في الوادي وقالوا: من حكم له، فالإبل والمال له، وخرجوا، وخرج مع عبد المطلب حرب بن أمية: فلما نزلوا ربيعة، بعث إليهم بجزائر فنحرها عبد
(1) الوطاب: سقاء اللبن (وهو جلد الجذع فما فوقه) .