فهرس الكتاب

الصفحة 1017 من 1777

فأجابه المهلب: ورد عليّ كتابك، تزعم أني أقبلت على جباية الخراج، وتركت قتال العدو. ومن عجز عن جباية الخراج فهو عن قتال العدوّ أعجز وزعمت أنك وليتني، وأنت ترى مكان عبد الله بن حكيم، وعباد بن حصين ولو وليتهما لكانا مستحقّين لذلك في فضلهما، وغنائهما، وبطشهما. وإنك اخترتني وأنا رجل من الأزد. ولعمري إن شرا من الأزد لقبيلة تنازعها ثلاث قبائل لم تستقر

في واحدة منهن. وزعمت أنّي إن لم ألقهم في يوم كذا أشرعت إليّ صدر الرّمح.

فلو فعلت لقلبت إليك ظهر المجنّ والسلام.

ووجه الحجاج إليه الجراح بن عبد الله يستبطئه في مناجزة القوم. وكتب إليه: أما بعد، فإنك جبيت الخراج بالعلل، وتحصنت بالخنادق، وطاولت القوم، وأنت أعزّ ناصرا، وأكثر عددا، وما أظنّ بك مع هذا معصية ولا جبنا، ولكنك اتخذتهم أكلا. وكان بقاؤهم أيسر عليك من قتالهم. فناجزهم، وإلا أنكرتني.

والسلام.

فقال المهلب للجراح: يا أبا عقبة. والله ما تركت حيلة إلا احتلتها، ولا مكيدة إلا أعملتها. وما العجب من إبطاء النصر، وتراخي الظفر، ولكن العجب أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره.

ثم ناهضهم ثلاثة أيام يغاديهم القتال، ولا يزالون كذلك إلى العصر، حتى قال الجراح: قد أعذرت وينصرف أصحابه. وبهم قرح، وبالخوارج قرح، وقتل.

وكتب المهلب إلى الحجاج: أتاني كتابك: تستبطئني في لقاء القوم، على أنك لا تظنّ بي معصية ولا جبنا، وقد عاتبتني معاتبة الجبان، وواعدتني وعيد العاصي. فسل الجراح، والسلام.

وكتب إليه الحجاج: أما بعد. فإنك تتراخى عن الحرب حتّى يأتيك رسلي فيرجعوا بعذرك، وذاك أنك تمسك حتّى تبرأ الجراح، وتنسى القتلى، ويجمّ الناس، ثم تلقاهم فتحتمل منهم مثل ما يحتملون منك من وحشة القتل، وألم الجراح. ولو كنت تلقاهم بذلك الجد لكان الداء قد حسم، والقرن قد قصم.

ولعمري ما أنت والقوم سواء لأنّ من ورائك رجالا، وأمامك أموالا. وليس للقوم إلا ما معهم؟ ولا يدرك الوجيف [1] بالدبيب ولا الظفر بالتعذير.

فكتب المهلب إليه: أما بعد. فإني لم أعط رسلك على قول الحقّ أجرا، ولم أحتج منهم مع المشاهدة إلى تلقين. ذكرت أنّي أجمّ القوم، ولا بد من راحة

(1) الوجيف: ضرب من سير الإبل والخيل، وأوجف دابته إذا حثّها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت