مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "مُنكرٌ"؛ لأجل رَوَّاد بن الجَرَّاح "اختلط بآخرة" ولم يتميَّز حديثه، وقد انفرد به فلم يُتابعه عليه أحدٌ، مع مخالفته لما رواه عامة الثقات عن يحيى بن أبي كثير.
ومِنْ خلال ما سبق يتَّضح أنَّ الحديث مِن وجهه الراجح عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن بُسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجُهَنِيِّ - رضي الله عنه -، "إسناده صحيحٌ لذاته"، وله متابعات مُخَرَّجة في "الصحيحين" وغيرهما، والله أعلم.
قلتُ: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ حكم الإمام على الحديث بالتفرد صحيحٌ، ولم أقف - على حد بحثي - على ما يدفعه، وهو تفرد نسبيٌّ؛ لكنَّه مُقَيَّد برواية أبي هريرة - رضي الله عنه -، فلقد رواه عُقْبة بن عَلْقَمة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن بُسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجُهَنِيِّ - رضي الله عنه - والله أعلم -.
قال النووي رحمه الله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا» : أي حصل له أجرٌ بسبب الغزو، وهذا الأجر يحصل بكل جهادٍ، وسواء قليله وكثيره؛ ولكل خالف له في أهله بخير: من قضاء حاجة لهم، وإنفاق عليهم، أو مساعدتهم في أمرهم، ويختلف قدر الثواب بقلة ذلك وكثرته. وفي هذا الحديث: الحث على الإحسان إلى من فعل مصلحة للمسلمين، أو قام بأمر من مهماتهم. (٢)
وقوله - صلى الله عليه وسلم - "فَقَدْ غَزَا": قال ابن حبان: معناه أنَّه مثله في الأجر وإنْ لم يغز حقيقةً، ثُمَّ أخرجه من وجه آخر عن بسر بن سعيد - رضي الله عنه - بلفظ: "كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ" (٣) .
ولابن ماجة، وابن حبان من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نحوه، بلفظ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَسْتَقِلَّ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَرْجِعَ» (٤) ، قال الحافظ ابن حجر: أفادت فائدتين:
(١) يُنظر: "العلل" (١١/ ٢٤٢/مسألة ٢٢٦٣) .
(٢) يُنظر: "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (١٣/ ٤٠) .
(٣) يُنظر: "الإحسان بترتيب صحيح ابن حبَّان" (١٠/ ٤٩٠ - ٤٩١) .
(٤) أخرجه ابن ماجه في "سننه" (٢٧٥٨) ك/الجهاد، ب/مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا، واللفظ له، وابن حبَّان في "صحيحه" (٤٦٢٨) .