الوجه الأول: حَفْصُ بن غِيَاثٍ، عن حَبِيب بن أبي عَمْرَةَ، عن ابن جُبَيْرٍ، عن ابن عَبَّاسٍ (مَوْصولاً) .
الوجه الثاني: حَفْصُ بن غِيَاثٍ، عن حَبِيب بن أبي عَمْرَةَ، عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - (مُرْسَلاً) .
الوجه الثالث: حَفْصٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن سُلَيْمَانَ بن مُوسَى، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ - رضي الله عنه -.
والذي يَظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الأول هو الأقرب للصواب؛ فالوجه الأول رواه عَفَّان بن مُسلمٌ وهو أوثق وأثبت، ومعه زيادة علم؛ بالإضافة إلى أنَّ الوجه الثالث رواه سُفْيَان بن وكيع، وهو "ضَعيفٌ".
وأخرج البخاريُّ، ومُسْلمٌ في "صحيحيهما" عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: حَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، وَهِيَ البُوَيْرَةُ (٣) ، فَنَزَلَتْ: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} . (٤)
قال المُصَنِّف - رضي الله عنه -: لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن حَبِيبِ بن أَبِي عَمْرَةَ إلا حَفْصٌ، تَفَرَّدَ بِهِ: عَفَّانُ.
قَوْله: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} صِنْفٌ مِنَ النَّخْلِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: في تَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ إِيمَاءٌ إلى أَنَّ الذي يَجُوزُ قَطْعُهُ مِنْ شَجَرِ العَدُوِّ ما لا يَكُونُ مُعَدًّا للاقتيات؛ لأَنَّهُم كانوا يَقْتَاتُونَ العَجْوَةَ والبَرْنِيَّ دُونَ اللِّينَةِ.
وفي هذا الحديث جَوَازُ قطع شَجَرِ الكُفَّارِ وإحرَاقِهِ، وبه قال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن القاسم، ونافع مولى بن عُمَرَ، وَمَالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، والجُمْهُورُ، وقال أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، واللَّيْثُ بن سَعْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، والأَوْزَاعِيُّ - رضي الله عنهم - في رِوَايَةٍ عنهم لا يَجُوزُ. (٥)
(١) يُنظر: "إتحاف الخيرة المهرة" (٦/ ٢٨٤/٥٨٥٦) .
(٢) يُنظر: "مجمع الزوائد" (٧/ ١٢٢) .
(٣) البُوَيْرَةُ: مُصَغَّرُ بُؤْرَةٍ، مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَتَيْمَاءَ، مِنْ جِهَةِ قِبْلَةِ قَبَاءَ إِلَى جِهَةِ الغَرْبِ. "فتح الباري" (٧/ ٣٣٣) .
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤٠٣١) ك/المغازي، ب/حَدِيث بَنِي النَّضِيرِ، وبرقم (٤٨٨٤) ك/التفسير، ب/قوله تعالى {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} ، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (١٧٤٦) ك/الجهاد والسير، ب/جَوَازِ قَطْعِ أَشْجَارِ الكُفَّارِ وَتَحْرِيقِهَا.
(٥) يُنظر: "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (١٢/ ٥٠) ، "فتح الباري" لابن حجر (٧/ ٣٣٣ و ٨/ ٦٢٩) .