ولم يَنْفرد مَعْنٌ بهذا الوجه عن مالك، بل تابعه محمد بن الحسن، والقعنبي، وابن أبي أُويس؛ وأخرج البخاري هذا الوجه في "صحيحه" عن إسماعيل بن أبي أُويس.
وعليه؛ فالذي يَظهر - والله أعلم - أنَّ الحديث محفوظٌ بالوجهين عن معن بن عيسى؛ لكون معن بن عيسى مِنْ أثبت أصحاب مالكٍ، وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ، وقد روى الحديث بالوجهين، وقد صح الإسناد إليه فيهما، مِمَّا يدل على حفظه للحديث بالوجهين معًا، والله أعلم.
قلتُ: مِمَّا سبق يتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف - رضي الله عنه -، لكنه مُقيد بروايته عن مالك عن وهب بن كيسان؛ وإلا فقد رواه إسحاق بن موسى عن مَعْنٍ، لكن بالوجه الثاني عن مالكٍ، عن عبد الله بن دِينار.
قال الحافظ ابن رجب (٢) : قوله - صلى الله عليه وسلم -:"إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم" إنما أراد به: أتباع موسى وعيسى عليهما السلام، وقد سمى الله بني إسرائيل بانفرادهم أمما، فقال: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا} (٣) ؛ ولهذا فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بعمل أهل التوراة بها إلى انتصاف النهار، وعمل أهل الإنجيل به إلى العصر، وعمل المسلمين بالقرآن إلى غروب الشمس، والله أعلم.
وإنَّما قلنا: إنَّه المراد من الحديث؛ لأن مدة هذه الأمة بالنسبة إلى مدة الدنيا من أولها إلى آخرها لا يبلغ قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس بالنسبة إلى ما مضى من النهار، بل هو أقل من ذلك بكثير.
(١) يُنظر: "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣١١) .
(٢) يُنظر: "فتح الباري" لابن رجب (٤/ ٣٣٣) ، "فتح الباري" لابن حجر (٢/ ٣٩) .
(٣) سورة "الأعراف"، آية (١٦٨) .