ومِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بالوجه الثاني مِنْ طريقه المرسل هو الأشبه بالصواب؛ للقرائن الآتية:
١) إنَّ أبا زُكير يحيى بن محمد بن قيس "ضَعيفٌ"، وقد اضطرب في هذا الحديث، فرواه مَرَّة عن عَمرو بن أبي عَمرو عن أنس، ورواه مَرَّة عن عَمرو بن أبي عَمرو عن المطلب بن عبد الله عن أنس، ولم أقف على حد بحثي - على مَنْ تابعه على أحد الوجهين، بل وخالف مَنْ هو أوثق مِنْه؛ حيثُ رواه الدَّراوردي عن عَمرو بن أبي عَمرو عن المطلب بن عبد الله (مُرْسلًا) ؛ وهذا يُؤكد ضَعْفه، وعدم ضَبْطِه للحديث بالطريقين.
٢) اتفاق أئمة العلل (أبو حاتم، وأبو زُرعة، وابن عدي، والدَّارقطني) على أنَّ الحديث مِنْ رواية أبي زُكَيْر غير محفوظٍ، لمخالفته لما رواه الدَّراوردي عن عَمرو بن أبي عَمرو. (١)
٣) كما أنَّ الحديث بالطريق الموصول عن الدَّراوردي - مِنْ حديث مُعاوية بن أبي سُفيان - إسناده ضَعيفٌ؛ فيه: محمد بن عبد الوهاب الأزهري "مجهول الحال"، ومحمد بن إسماعيل الجعفري "مُنْكر الحديث، يُغْرِب" - كما سبق بيانه في دراسة الإسناد -.
قلتُ: بينما ذهب أبو حاتم، وأبو زرعة إلى ترجيح الوجه الموصول عن الدَّراوردي - مِنْ حديث مُعاوية بن أبي سُفْيان - (٢) ، لكنَّ هذا باعتبار ما اطلاعا عليه مِنْ الوجوه المُخْتلف فيها على الحديث، فكلاهما قد ذكر الحديث مِنْ رواية أبي زُكَيْر بالطريق الأول، ورواية الدَّراوردي بالطريق الأول - الموصول -، ولم يَتَطرقا لذكر الوجه المُرْسل؛ مِمَّا يُؤكد أنَّ حكمهما باعتبار عِلْمِهِما، وهذا بخلاف الدَّارقطني، فقد ذكر رواية … أبي زُكير، ورواية الدَّراوردي بالوجه المُرْسَل، بمَا يُؤكد أنَّ معه زيادة عِلْمٍ، ومَنْ عَلِمَ حُجَّةٌ على مَنْ لم يَعْلم؛ وعليه فلا تعارض بين ما ذهب إليه أبو حاتم وأبو زرعة، وما ذهب إليه الدَّارقطني، والله أعلم.
(١) يُنظر: "العلل" لابن أبي حاتم (٦/ ٣٤/مسألة ٢٢٩٥) ، (و"العلل" للدارقطني (١٢/ ١١٤/مسألة ٢٤٩٦) .
(٢) يُنظر: "العلل" لابن أبي حاتم (٦/ ٣٤/مسألة ٢٢٩٥) .
(٣) يُنظر: "سنن الترمذي" حديث (٢٩١٦) ، "العلل الكبير" (ص/٣٨٦ - ٣٨٧) ، "المراسيل" لابن أبي حاتم (ص/ ٢١٠) .