وكان رجال الجن إذا سمعوا عوذ الإنس بهم استكبروا، وقالوا: سدنا الإنس والجن. وذلك قوله تعالى: {فَزَادُوهُمْ} عطف على {يَعُوذُونَ} ، والماضي للتحقّق؛ أي: فزاد الرجال العائذون الإنسيون الجن {رَهَقًا} مفعول به ثان لـ {زاد} ؛ أي: تكبّرًا وعتوًّا وسفهًا، فإن الرهق يجيء لمعان منها: السفه وركوب الشر والظلم. قال في آكام المرجان: وبهذا يجيبون المعزم والراقي بأسمائهم وأسماء ملوكهم، فإنه يقسم عليهم بأسماء من يعظمونه فيحصل لهم بذلك من الرياسة والشرف على الإنس ما يحملهم على أن يعطوهم بعض سؤلهم وهم يعلمون أن الإنس أشرف منهم وأعظم قدرًا، فإذا خضعت الإنس لهم، واستعاذت بهم كان بمنزلة أكابر الناس إذا خضع لهم أصاغرهم يقضون لهم حاجاتهم. أو المعنى: فزاد الجن الإنس العائذين بهم غيًّا بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم، فإذا استعاذوا بهم فأمنوا ظنوا أن ذلك من الجن، فازدادوا رغبة في طاعة الشياطين وقبول وساوسهم. والفاء حينئذٍ لترتيب الإخبار، وإسناد الزيادة إلى الإنس أو الجن باعتبار السببية.
والمعنى: أي وأوحِي إلى أن رجالًا من الإنس كانوا يستعيذون في القفر برجال من الجن، فزادوا الجن بذلك طغيانًا وغيًّا بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم.
وخلاصة ذلك: أنهم لما استعاذوا بالجن خوفًا منهم، ولم يستعيذوا بالله استذلوهم واجترؤوا عليهم وزادوهم ظلمًا.