2 -3 {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} بفتح الهمزة وكذا ما بعده من الجمل المصدرة بـ {أنّ} في أحد عشر موضعًا معطوف على {أَنَّهُ اسْتَمَعَ} ، فيكون من جملة الكلام الموحى به على أنَّ المُوحى عين عبارة الجن بطريق الحكاية كأنّه قيل: قل أوحي إليّ كيت وكيت. وهذه العبارات فاندفع ما قيل من أنّك لو عطفت {وَأَنَّا ظَنَنَّا} و {إِنَّا سَمِعْنَا} {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ} {وَأَنَّا لَمَسْنَا} وشبه ذلك على أنّه استمع لم يجز، لأنّه ليس مما أوحي إليه، وإنّما هو أمر أخبروا به عن أنفسهم انتهى. قلت: والذي يظهر لي أنّ {أنّ} المفتوحة في مواضعها كلها مستعملة استعمال إنّ المكسورة توسعة لدائرة الكلام إلا في قوله: {أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ} فتكون فيه على بابها، وفي سائر المواضع بمعنى {إن} المكسورة فتكون مقولا لقوله: {فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} . ومن قرأ بالكسر عطف على المحكي بعد القول، وهو الأظهر لوضوح اندراج الكلّ تحت القول. وقيل: في الفتح والكسر غير ذلك، والأقرب ما قلناه.
والمعنى: وأنّ الشأن ارتفع عظمة ربّنا كما تقول في الثناء على الله: وتعالى جدّك؛ أي: ارتفع عظمتك. وفي إسناد التعالي إلى العظمة مبالغة لا تخفى من قولهم: جدّ فلان في عيني؛ أي: عظم تمكّنه أو سلطانه؛ لأن الملك والسلطنة غاية العظمة. أو غناه على أنه مستعار من الجد الذي هو البخت والدولة والحظوظ الدنيوية سواء استعمل بمعنى الملك والسلطان أو بمعنى الغنى، فإن الجد في اللغة كما يكون بمعنى العظمة، وبمعنى أب الأب وأبي الأم يكون بمعنى الحظ والبخت، يقال: رجل مجدود؛ أي: محظوظ. شبه سلطان الله وغناه الذاتيان الأزليان ببخت الملوك والأغنياء، فأطلق اسم الجد عليه استعارة.