وقد اختلف أهل العلم في دخول مؤمني الجن الجنة كما يدخل عصاتهم النار لقوله في سورة تبارك: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} وقول الجنّ فيما سيأتي في هذه السورة: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) } وغير ذلك من الآيات. فقال الحسن: يدخلون الجنة، وقال مجاهد: لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار. والأول أولى لقوله في سورة الرحمن: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} وفي سورة الرحمن آيات غير هذه تدل على ذلك، فراجعها. وقد قدمنا أن الحق أنه لم يرسل الله إليهم رسلًا منهم بل الرسل جميعًا من الإنس، وإن أشعر قوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} بخلاف هذا فهو مدفوع الظاهر بآيات كثيرة في الكتاب العزيز دالة على أنّ الله سبحانه لم يرسل الرسل إلّا من بني آدم. وهذه الأبحاث يطول الكلام فيها. والمراد هنا الإشارة إليها بأخصر عبارة وأوجز إشارة.
والحاصل: من الكتاب والسنة: العلم القطعي بأن الجن والشياطين موجودون متعبّدون بالأحكام الشرعية على النحو الذي يليق بخلقتهم وبحالهم، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رسول إلى الإنس والجن، فمن دخل في دينه فهو من المؤمنين، ومعهم في الدنيا والآخرة والجنة، ومن كفر به فهو من الشياطين المبعدين المعذبين فيها والنار مستقره.
والمعنى: أمر الله رسوله أن يظهر لأصحابه ما أوحى به إليه من قصص الجن لما في علمه من فوائد ومنافع للناس منها:
1 -أن يعلموا أنه - صلى الله عليه وسلم - كما بعث إلى الإنس بعث إلى الجن.
2 -أن يعلموا أنّ الجن يستمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا.
3 -أن يعلموا أن المؤمن منهم يدعو غيره من قبيلته إلى الإيمان.
4 -أن يعلموا أن الجن مكلفون كالإنس.
5 -أن تعلم قريش أنَّ الجن على تمردها, لما سمعت القرآن عرفت إعجازه وآمنت به.