وقال: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) ، وهم يزعمون أنه لو أزاغ قلوبهم بعد الهدى، كان ذلك منه جورا وظلما، فهم أبدا على خوف من جور ربهم.
ونحن نقول بأنه لو آخذهم به، كأن يكون ذلك منه عدلا، وإذا عفا عنهم، كان ذلك منه إنعاما وإفضالا، فنحن ندعو اللَّه تعالى، ونتضرع إليه ألا يعاملنا بعدله فنهلك، بل يعاملنا بالإفضال والإنعام.
وعلى قول المعتزلة من ارتكب كبيرة، ردت عليه حسناته، وصار عدوًّا لله تعالى، وخلد في النار أبد الآبدين، واللَّه يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) ، وأولى الحسنات التي يستوجب عليها المضاعفة هو الإيمان باللَّه تعالى، فلا يجوز أن يخلد في النار، ويذهب عنه منفعة الإيمان، تعالى اللَّه عما يقولون علوًّا كبيرا.
ثم قوله: (بَخْسًا وَلَا رَهَقًا) . يحتمل وجهين:
أحدهما: البخس: النقصان، أي: لا ينقص من حسناته، والرهق: الظلم؛ كقوله تعالى: (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) ، وأن يحمل عليه من سيئات ارتكبها غيره.
والثاني: (فَلَا يَخَافُ بَخْسًا) ، أي: ألا تقبل حسناته إذا تاب، (وَلَا رَهَقًا) . أي: ظلم؛ فلا يحسب له من حسناته شيئا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: [ (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ...(14) ] .
القاسط: الجائر والمقسط: العادل.
ثم في العدل ثلاث لغات؛ يقال عدل عنه: إذا مال وجار.
وعدل به: إذا جعل له شريكا وعديلا.
وعدل فيه: إذا حكم بالعدل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) :
التحري والتوخي هو القصد؛ فكأنه يقول: قصد الرشد بالإسلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا(15) .