وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا وَلَدًا) فالأصل أن الأولاد يرغب فيهم المرء؛ لإحدى خصال: إما لما يناله من الوحشة؛ فيطلب الولد؛ ليستأنس بهم.
أو يرغب فيهم؛ لما حل به من الضعف، فيريد أن يستنصر بهم.
أو لما يخاف زوال ملكه؛ فيطلب الولد؛ ليأمن من زواله.
وجل اللَّه سبحانه وتعالى عن أن تلحقه وحشة، أو يصيبه ضعف، أو يخاف زوال الملك؛ فإذا كانت الطرق التي بها يرغب في اكتساب الأولاد منقطعة في حقه، لزم تنزيهه عن اتخاذ الأولاد؛ ولهذا ما ذكر عندما نسبته الملاحدة إلى اتخاذ الأولاد - غناه بقوله (سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ) ، أي: غني عن كل الوجوه التي تتوجه إلى اتخاذ الأولاد، وباللَّه التوفيق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا(4) .
فمنهم من ذكر أن سفيههم إبليس، وليس هذا براجع إلى الواحد على الإشارة إليه،
بل هو راجع إلى كل من يوجد منه فعل السفه؛ ألا ترى أنه إذا قيل:"كان يقول مسيئنا كذا، و"كان يقول فاسقنا كذا"، لم يعن به فاسق ولا مسيء واحد على الإشارة؛ بل يراد به كل معروف بالإساءة والفسق؛ فعلى ذلك قوله (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا) وليس بمقتصر على الواحد، بل هو راجع إلى كل من يوجد منه ذلك."
ثم في هذه الآية دلالة أن النفر الذين استمعوا كانوا مؤمنين، ولم يكونوا من أهل الكفر؛ لأنهم لو كانوا أهل شرك، لكانوا لا يضيفون فعل السفه إلى غيرهم، ويخرجون أنفسهم منه، وقد وجد منهم فعل السفه.
ولو كانوا مشركين - أيضا - لكانوا يقولون مكان هذه الكلمة:"وإنا كنا نقول على الله شططا"؛ ليكون ذلك منهم توبة ورجوعا عما كانوا فيه من الشرك والكفر؛ شكرا بما أنعم اللَّه عليهم من عظيم النعمة بأن هداهم للإيمان، لا أن يضيفوا ذلك إلى سفهائهم؛ فثبت أنهم كانوا مؤمنين.
والشطط: الجور.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو الكذب.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الظلم.