وفيه أنهم لما أخذوا القرآن من لسانه قاموا فيما بين القوم بإنذارهم، وأعانوه في التبليغ على ما أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - (فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) .
وفيه أن أُولَئِكَ النفر تسارعوا إلى الإجابة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ؛ فيكون فيه تسفيه قوم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الذين نشأ بين أظهرهم؛ لأنهم عرفوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما بينهم بالصيانة والعدالة، ولم يقفوا منه على كذب قط، وحق من يعرف بالصدق إن لم يصدق ألا يتسارع إلى تكذيبه فيما يأتي به من الأنباء، بل يوقف في حاله إلى أن يتبين منه ما يظهر كذبه، وقومه استقبلوه بالتكذيب، ولم يعاملوه معاملة من كان معروفا بالصدق والصيانة، والجن الذين صدقوه، لم يكونوا عارفين بأحواله فيما قبل أنه صدوق، أو ممن يرتاب في خبره، ثم تسارعوا إلى تصديقه؛ لما لاحت لهم الحجة وثبتت عندهم آية الرسالة وعاملوه معاملة من قد عرف بالصدق؛ فدل أنهم كانوا في غاية من السفه.
وفيه - أيضا - دلالة رسالته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ؛ لأن قوله تعالى: (فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا(1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ...) إلى آخر القصة فيما بينهم - إخبار عن علم الغيب وهذا لا يعرف إلا بمن عنده علم الغيب؛ فثبت أنه باللَّه تعالى علم.
ثم يجوز أن يكون الذي حملهم على الإيمان به ما عرفوا أنه أتى بالمعجز الذي يعجز الخلق عن الإتيان بمثله، وبما وقفوا على إحكام معانيه وحسن تأليفه ونظمه.