"سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك الشأن فقال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين"قلت: هذا التفسير يطابق ما مر في الحكمة. وما ذكرنا في الكتاب مراراً من أن القضاء هو الحكم الكلي الواقع في الأزل ، والقدر هو صدور تلك الأحكام في أزمنتها المقدرة. فبالاعتبار الأول قال"جف القلم بما هو كائن"وبالاعتبار الثاني قال: {كل يوم هو في شأن} وهذا بالنسبة إلى المقضيات ولا تغير في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وبالجملة إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها. وروى الواحدي في البسيط عن ابن عباس: إن مما خلق الله عز وجل لوحاً من درة بيضاء ، دفتاه ياقوتة حمراء ، قلمه نور وكتابه نور ، ينظر الله فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء. وحين بين أن كل زمان مقدر لأجل شأن قال {سنفرغ لكم} قال أهل البيان: هو مستعار من قول الرجل لمن يتهدده"سأفرغ لك". والمراد تجرد داعيته للإيقاع به من النكاية فيه. والمراد شؤونه ستنتهي إلى شأن الجزاء وقصد المحاسبة. ثم هدد الثقلين بأنهم لا يستطعيون الهرب من أحكامه وأقضيته فيهما. نفذ من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية. وأقطار السماوات والأرض نواحيهما. واحدها قطر. وهو في الهندسة عبارة عن الخط المنصف للدائرة. والسلطان القوة والغلبة ، أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام ولا سلطان فلا مفر. قال الواحدي: أراد أنه لإخلاص من الموت. ويحتمل أن يخص هذا بيوم الجزاء المشار إليه بقوله {سنفرغ لكم} ويؤيده ما روي أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة أحاطت به ، ويعضده قوله عقيبه {يرسل عليكما} الآية.