وقعودا وعلي جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (آل عمران:190 - 191) .
وكان لنزول هاتين الآيتين الكريمتين وما تلاهما من آيات في السورة نفسها , وقع شديد علي رسول الله (صلي الله عليه وسلم) , الذي يروي عنه أنه قال عقب الوحي بها: ويل لمن قرأ هذه الآيات ثم لم يتفكر فيها.
وواضح الأمر في ذلك أن التفكر في خلق السماوات والأرض فريضة إسلامية لابد من قيام نفر من المسلمين بها , لأنها عبادة من أجل وأعظم العبادات لله الخالق , ووسيلة من أعظم الوسائل للتعرف علي كل من حقيقة الخلق , وحتمية الافناء وضرورة البعث , وللتأكيد علي عظمة الخالق (سبحانه وتعالي) , وعلي تفرده بالألوهية , والربوبية , والوحدانية , فالكون الذي نحيا فيه شاسع الاتساع , دقيق البناء , محكم الحركة , منضبط في كل أمر من أموره , مبني علي وتيرة واحدة من أدق دقائقه الي أكبر وحداته , وكون هذا شأنه لا يمكن لعاقل أن يتصور أنه قد وجد بمحض المصادفة , أو أن يكون قد أوجد نفسه بنفسه , بل لابد له من موجد عظيم , له من طلاقة القدرة , وكمال الحكمة , وشمول العلم ما أبدع به هذا الكون بكل ما فيه ومن فيه , وهذا الخالق العظيم لاينازعه أحد في ملكه , ولا يشاركه أحد في سلطانه , لأنه رب هذا الكون ومليكه , ولا يشبهه أحد من خلقه , لأنه (تعالي) خالق كل شيء , وهو بالقطع فوق كل خلقه , لا يحده المكان , ولا الزمان لأنه (سبحانه) خالقهما , ولا يشكله أي من المادة أو الطاقة , لأنه (تعالي) مبدعهما , ولا نعرف عن ذاته العلية إلا ما عرف به نفسه بقوله (عز من قائل) :
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
[الشوري:11).
وقوله (سبحانه) مخاطبا خاتم أنبيائه ورسله (صلي الله عليه وسلم) :
قل هو الله أحد , الله الصمد , لم يلد ولم يولد , ولم يكن له كفوا أحد (الإخلاص:1 - 4) .