فَإِنْ قُلْتَ: مطلق الجزاء لا يصلح تعليلًا للأمر بالمغفرة، لتحققه على تقديري المغفرة وعدمها، قلت: لعل المعنى: قل للمؤمنين: يتجاوزوا عن إساءة المشركين والمنافقين، ولا يباشروا بأنفسهم لمجازاتهم، ليجزيهم الله تعالى؛ أي: ليجزي أولئك الكفرة يوم القيامة جزاءً كاملًا، يكافئ سيئاتهم، كأنه قيل: لا تكافؤوهم أنتم حتى نكافئهم نحن، ويدل على هذا المعنى الآية الآتية، والأول أولى، وأيضًا إن الكسب في أكثر ما ورد في القرآن كسب الكفار، ويجوز أن يكون المعنى: ليجزيهم الله وقت الجزاء كيوم بدر، ونحوه. وفي الآية إشارة، إلى أن المؤمن إذا غفر لأهل الجرائم، وإن لم يكونوا أهل المغفرة لإصرارهم على الكفر، والأذى .. يصير متخلقًا بأخلاق الحق.
وقرأ الجمهور: {لِيَجْزِيَ} مبنيًا للفاعل؛ أي: ليجزي الله، وقرأ زيد بن علي، وأبو عبد الرحمن والأعمش وابن عامر وحمزة والكسائي: {لِيَجْزِيَ} بالنون مبنيًا للفاعل. وقرأ أبو جعفر وشيبة، وعاصم: {ليجزى} بالياء التحتية مبنيًا للمفعول مع نصب {قَوْمًا} ، وفيه حجة لمن أجاز بناء الفعل للمفعول، على أن يقام الجار والمجرور وهو {بما} مقام الفاعل، وينصب المفعول به الصريح وهو {قَوْمًا} ، ونظيره: ضرب بسوط زيدًا، ولا يجيز ذلك الجمهور، وخرجت هذه القراءة على أن يكون الفعل بني للمصدر؛ أي: ليجزى الجزاء قومًا، وهذا أيضًا لا يجوز عند الجمهور، لكن يتأول على أن ينصب بفعل محذوف، تقديره: يجزي قومًا، فيكون الكلام جملتين إحداهما: ليجزى الجزاء، والأخرى: يجزيه قومًا. وعبارة البيضاوي هنا: وقرئ {ليجزى قوم} ، {وليجزى قوما} ؛ أي: ليجزى الخير أو الشر، أو الجزاء بمعنى: ما يجزى به لا المصدر. فإن الإسناد إليه سيما مع المفعول به ضعيف.
والمعنى: أي ليجزي الله تعالى يوم القيامة قومًا بما كسبوا في الدنيا من أعمال طيبة، من جملتها الصبر على أذى الكفار، والإغضاء عنهم بكظم الغيظ، واحتمال المكروه، ما لا يحيط به الوصف من الثواب العظيم في جنات النعيم.