9 - {وَإِذَا عَلِمَ} ذلك الأفاك {مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا} ؛ أي: إذا بلغه من آياتنا شيء، وعلم أنه من آياتنا، لا أنه علمه كما هو عليه، فإنه بمعزل من ذلك، قرأ الجمهور: {عَلِمَ} بفتح العين، وكسر اللام مخفة على البناء للفاعل، وقرأ قتادة، ومطر الوراق على البناء للمفعول، والمعنى: أنه إذا وصل إليه علم شيء من آيات الله سبحانه وتعالى: {اتَّخَذَهَا} ؛ أي: الآيات كلها {هُزُوًا} ؛ أي: مهزوءًا بها لا ما سمعه فقط، وقيل: الضمير في {اتَّخَذَهَا} عائد إلى {شَيْئًا} لأنه عبارة عن الآيات، فالتأنيث باعتبار المعنى، والأول أولى؛ أي: وإذا وصل إليه خبرها وبلغه شيء منها جعلها هزوا، وسخريةً. فقد رُوي: أن أبا جهل حين سمع قوله تعالى: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) } دعا بتمر وزبد، وقال لأصحابه: تزقموا من هذا، ما يعدكم محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا شهدًا، وحين سمع قوله تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) } ؛ أي: على النار، قال: إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي.
ثم ذكر ما يصيب هؤلاء من العذاب فقال: {أُولَئِكَ} الأفاكون المتصفون بتلك الصفات، فالإشارة إلى كل أفاك من حيث الاتصاف بما ذكر من القبائح، والجمع باعتبار شمول كل، كما أن الإفراد في الضمائر السابقة باعتبار كل واحدٍ واحد {لَهُمْ} بسبب جناياتهم المذكورة {عَذَابٌ مُهِينٌ} ؛ أي: عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم، ويذهب بعزهم بما كانوا في الدنيا يستكبرون عن طاعة الله واتباع آياته واتخاذها هزوًا، ووصف العذاب بالإهانة توفية لحق استكبارهم، واستهزائهم بآيات الله
10 - {مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ} ؛ أي: جهنم كائنة من قدامهم؛ لأنهم متوجهون إلى ما أعد لهم؛ أي: من وراء ما هم فيه من التعزز بالدنيا، والتكبر عن الحق، جهنم فإنها من قدامهم؛ لأنهم متوجهون إليها، وعبر بالوراء عن المقدام كقوله: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} ، وقول الشاعر:
أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِيْ