والممكن على خلاف التمنِّي، وهو طلب المحال البعيد المنال، كما قال الشاعر:
أَلاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْماً ... فَأُخبرُه بمَا فَعَلَ المشيبُ
أما الرجاء فهو مظنة أنْ يتحقق، تقول: أرجو أنْ أُوفق أو أسافر.
ومعنى {أَيَّامَ اللَّهِ ..} [الجاثية: 14] كما نقول مثلاً أيام العرب يعني: وقائعهم والأحداث الكبار التي مرَّتْ بهم، فأيام الله يعني وقائعه بأعدائه، فأيام الله على المؤمنين نَصْره لهم وعلى الكافرين هزيمتهم، فهم لا يقفون عند هذه الأحداث ولا يتأملونها ولا يأخذون منها عبرةً ويمرُّون عليها مَرَّ الكرام أو مرورَ الغافل عن حكم الأشياء، وهؤلاء هم المنافقون.
ولهذه الآية قصة، ففي غزوة بني المصطلق كان هناك بئر يشربون منه اسمه المريسيع، وعلى هذا البئر اجتمع غلامٌ لعمر بن الخطاب وغلام لعبد الله بن أُبيٍّ رأس المنافقين، فغلام عمر منع الآخر، وقال: لا حتى أسقي لرسول الله أولاً، فقال الآخر: أفرغتَ؟ قال: لا، لا يزال دَلْو أبي بكر، ثم دَلْو عمر، قال: هذا لعلمه أنه منافق.
فأبطأ العبد على عبد الله بن أُبيٍّ فقال: ما أبطأك؟ قال: مولىً لعمر بن الخطاب فعل كذا وكذا، فهزّ رأسه هزَّة المنافق وقال: إنّا وإياهم كما قال القائل: سَمِّنْ كلبك يأكلك، قال هذه الكلمة ليشفى بها ما في صدره، ووصلتْ هذه الكلمة إلى عمر فأخذ سيفه وأراد أنْ يقتله فأنزل الله هذه الآية: {قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ.} [الجاثية: 14] .
نعم يغفرون لهم ويتجاوزون عن هذه الهفوات لأنها في حَيِّز القول ولم تصل إلى مستوى الأفعال، فإذا وصلتْ إلى الفعل كان لها شأنٌ آخر كما حدث في مسألة المرأة المسلمة في بني قَيْنقاع لما رفع واحد منهم ذيْلَ ثوبها إلى أعلى، فلما قامت انكشفتْ عورتها فكان لا بدَّ من قول يؤدبهم.
أما الكلام فلا بأسَ من التسامح فيه مع هؤلاء المنافقين، وحسبك في المنافق أنه يذل نفسه بالنفاق لأنه يفعل ما لا يعتقده ولا يؤمن به. ثم إن النفاق في حَدِّ ذاته دليلٌ على قوة الإيمان، حيث أصبح الإيمان قوةً تُنافَق، وهذه من عزة الإيمان وذلة النفاق.
ولذلك حكى القرآن قولهم:
{لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ..} [المنافقون: 8] فصدَّق الله على قولهم أنْ يُخرج الأعز الأذل، لكن مَن الأعز ومَن الأذل؟ فقال سبحانه: