فصل
قال الفخر:
اختلفوا فِي أن قوله: {اهبطوا} أمر أو إباحة، والأشبه أنه أمر لأن فيه مشقة شديدة لأن مفارقة ما كانا فيه من الجنة إلى موضع لا تحصل المعيشة فيه إلا بالمشقة والكد من أشق التكاليف، وإذا ثبت هذا بطل ما يظن أن ذلك عقوبة، لأن التشديد فِي التكليف سبب للثواب، فكيف يكون عقاباً مع ما فيه من النفع العظيم؟ فإن قيل: ألستم تقولون فِي الحدود وكثير من الكفارات إنها عقوبات وإن كانت من باب التكاليف، قلنا: أما الحدود فهي واقعة بالمحدود من فعل الغير، فيجوز أن تكون عقاباً إذا كان الرجل مصراً، وأما الكفارات فإنما يقال فِي بعضها إنه يجري مجرى العقوبات لأنها لا تثبت إلا مع المأثم.
فأما أن تكون عقوبة مع كونها تعريضات للثواب العظيم فلا. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 17}
[فائدة]
قال الفخر:
إن قوله تعالى: {اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} ، أمر بالهبوط وليس أمراً بالعداوة، لأن عداوة إبليس لآدم وحواء عليهما السلام بسبب الحسد والاستكبار عن السجود واختداعه إياهما حتى أخرجهما من الجنة وعداوته لذريتهما بإلقاء الوسوسة والدعوة إلى الكفر والمعصية، وشيء من ذلك لا يجوز أن يكون مأموراً به، فأما عداوة آدم لإبليس فإنها مأمور بها لقوله تعالى: {إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً} [فاطر: 6] وقال تعالى: {يابنى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة} [الأعراف: 27] إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من الآية اهبطوا من السماء وأنتم بعضكم لبعض عدو. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 17}