لأن الطبيب مؤتمن بعد أنْ تعلَّم ودرس وتخصَّص ، فأنت لا تسأله ولا تناقشه: لماذا كتب لك هذا الدواء ، وهو مع ذلك إنسان وعُرْضة للخطأ وللسهو وللنسيان ، ومع ذلك لا يناقش . إذن: علة تناول الدواء أن الطبيب وصفه لي ، وعلة كل أمر عند الآمر به .
والآمر في العبادات هو الحق - سبحانه وتعالى - فلا يليق بالمؤمن بعد أن آمن بالله وبحكمته وقدرته أنْ يبحث ليعلم الحكمة من كل أمر يأتيه من ربه عز وجل .
نعود إلى آدم - عليه السلام - وأن الجنة التي دخلها كانت للتدريب والتجربة ولم تكُنْ جنة الخلد ، تدرَّب فيها آدم على: كل (افعل) وعلى: لا تقرب (لا تفعل) واحذر الشيطان فإنه عدو لك ، وسوف يوسوس لك ، ويغويك ؛ لأنه لا يريد أنْ يكونَ عاصياً وحده ، يريد أنْ يجرَّك معه إلى حمأة المعصية .
وظل آدم وزوجته يأكلان كما قال تعالى من الجنة رغداً حيث شاءا ، دون أنْ يقربا هذه الشجرة التي بيَّنها الله لهما إلى أنْ وسوس لهما الشيطان وأغراهما بالأكل منها ، مع أن الله تعالى حذَّرهما ، وأعطاهما حقنة مناعة ضد الشيطان ووسوسته ، ومع ذلك حدثتْ من آدم الغفلة .
وهذه الغفلة الله يُنبِّه بها ذرية آدم من بعده: أن الشيطان لن يدعكم ، وسوف يدخل عليكم بألاعيبه وحيله ، كما دخل على أبيكم آدم ، فكونوا منه على حذر ، وابحثوا بعقولكم ما يلقيه إليكم من وساوس بالله .
ماذا قال إبليس لآدم حين أغواه بالأكل من الشجرة؟ قال: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين} [الأعراف: 20]
أليس من المنطق أن نقول: ولماذا لم تأكل أنت منها يا إبليس فتصير مَلَكاً ، وتصير من الخالدين ، ولا تتمحك فتقول: {فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الحجر: 36] إذن: كان على آدم أنْ ينتبه إلى مكايد الشيطان وألاعيبه .