ففي الحج مثلاً ، يأمرك أنْ تُقبِّل حجراً ، وأنْ ترمي حجراً آخر وترجمه ، وهذا حجر وذاك حجر ، إذن: فالحجرية غير منظورة ، لكن المنظور فيه إلى الأمر أو النهي .
وبصرف النظر عن المصلحة أو الحكمة من الأمر أو النهي ، فمثلاً حينما يتعذر الماء يشرع التيمم بدلاً من الوضوء ، فيأتي مَنْ يقول: الوضوء للنظافة ، فما النظافة في التيمم ، وهو يُلوِّث الجسم؟
ونقول: فَرْق بين النظافة والتطهير ، والمراد من التيمم التطهير بشيء هو أصل في مادتك وتكوينك ، فالمسألة انضباط في طاعة الأمر بأن تفعل شيئاً تجعله مقدمة لصلاتك ، كأنك لا تُقبل على الصلاة إلا بتهيئة ، وأيضاً لأن الصلاة بها قِوامَ روحك وحياتك ، وحياتك في الأصل ومادتك من الماء الذي تستخدمه في الوضوء والتراب الذي تستخدمه التيمم .
إذن: لهاتين المادتين رمزية يجب أن تُلحظ في الدخول على الله في الصلاة ، ولا يليق بالمؤمن أنْ يُفلسف أمور العبادات ويبحث عن عِلّتها والحكمة أو المصلحة من أدائها ، إنما يكفي أن يقول: عِلَّة هذا الأمر أن الله أمر به أنْ يفعل ، وعلة هذا الحكم أن الله أمر به ألاَّ يُفعل .
لذلك ورد عن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال: لو كانت المسألة بالعقل لكان أسفل الخُفِّ أوْلَى بالمسح من أعلاه ، إذن: المسألة طاعة والتزام للأمر وللنهي ؛ لذلك من غير المناسب أن نقول: إن من حكمة الصوم: أنْ يَشعر الغني بألم الجوع ، فيعطف على الفقير ؛ لأنني سأقول لك إذن: لماذا يصوم الفقير؟
ولتوضيح هذه المسألة ضربنا مثلاً وما زْلنا نكرره . قلنا: إن أعز شيء على المرء صحته ، فإنْ أصابته علة ، فأول ما يُعمِل عقله يبحث عن الطبيب المتخصص في مرضه فيذهب إليه ، ثم يسلم له نفسه ليفحصه ، ثم يكتب له الدواء فيأخذه ويتناوله دون أنْ يسأل عن عِلَّته ، أو لماذا وصفه الطبيب ، لماذا؟