نعود إلى قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة ...} [لقمان: 12] فالذي آتى هو الله عز وجل ، والحكمة: مادة حكَم تدل على وَضْع الشيء في موضعه ، ومنها الحاكم ؛ لأنه يضع الحق في نصابه ، حتى في الدواب نسمي الحديدة التي توضع في فم الفرس لأتحكم في حركته (حَكَمه) ؛ لأن الهدف من ركوب الخيل مختلف ، فمرة أركبه للنزهة ، ومرة أركبه لأدرك به صَيْداً ، ومرة للكِّر وللفرِّ في المعركة ، فكُلُّ هدف من هذه له حركة ، وينبغي أنْ أتحكم في حصاني ليؤدي لي ما أريده منه .
إذن: فالحكمة تعني في معناها العام وَضَع الشيء في موضعه ، وهي مجموعة من مَلَكات الفضائل تصدر عنها الأشياء التي تضع كل أمر في محله لكن بيُسْر وبلا مشقة ولا تعب ، كالشيخ الذي ظل يدرس في الأزهر مثلاً عشرين أو ثلاثين سنة تذهب إليه ، وتستفتيه في أمر من الأمور ، فيجيبك بيُسْر وسهولة ، وبدون تفكير أو إعداد ، لماذا؟ لأن الفُتْيا أصبحت ملَكَه عنده لا تحتاج منه إلى مجهود ولا مشقة .
ومن الحكمة أنْ يخلق الله لك أشياءً ، ويهديك لأنْ تستنبط منها أشياءً أخرى .
وساعة تسمع من الله تعالى: {وَلَقَدْ . .} [لقمان: 12] فاعلم أن هنا قَسَماً فالواو واو القسم ، والمقسَم عليه مُؤكَّد باللام ومُؤكَّد بقد التي تفيد التحقيق .
قوله سبحانه: {آتَيْنَا . .} [لقمان: 12] الحق - سبحانه وتعالى - في إتيانه للأشياء يعني تعدَّي ما قدره لمن قدره من خير ظاهر ومن خير مستور . وقبل أنْ يخلق الله الإنسان خلق له ، فجاء الإنسان الأول (آدم عليه السلام) وطرأ على كون فيه كل مُقوِّمات حياته من هواء وماء وأرض وسماء وطعام وشراب . . الخ .
وكل ذلك مُسخَّر له تسخيراً لا دَخْلَ للمنتفع به فيه ، وهذا أول الإيتاء ، بل قبل ذلك ، وفي الأزل قبل أن يخلق الإنسان خلق له مُقوِّمات مادته ومُقوِّمات قيمه وروحه - أي: أوجدها .