يَقُولُ: وَعَهِدْنَا إِلَيْهِ أَنْ اشْكُرْ لِي عَلَى نِعَمِي عَلَيْكَ، وَلِوَالِدَيْكَ تَرْبِيَتَهُمَا إِيَّاكَ، وَعِلَاجَهُمَا فِيكَ مَا عَالَجَا مِنَ الْمَشَقَّةِ حَتَّى اسْتَحْكَمَ قُوَاكَ.
وَقَوْلَهُ: {إِلَيَّ الْمَصِيرُ}
يَقُولُ: إِلَى اللَّهِ مَصِيرُكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، وَهُوَ سَائِلُكَ عَمَّا كَانَ مِنْ شُكْرِكَ لَهُ عَلَى نِعَمِهِ عَلَيْكَ، وَعَمَّا كَانَ مِنْ شُكْرِكَ لِوَالِدَيْكَ، وَبِرَّكَ بِهِمَا عَلَى مَا لَقِيَا مِنْكَ مِنَ الْعَنَاءِ وَالْمَشَقَّةِ فِي حَالِ طُفُولَتِكَ وَصِبَاكَ، وَمَا اصْطَنَعَا إِلَيْكَ فِي بِرِّهِمَا بِكَ، وَتَحْنَنِهِمَا عَلَيْكَ.
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأُمِّهِ.
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ:"حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ أَنْ لَا تَأْكُلَ وَلَا تَشْرَبَ، حَتَّى يَتَحَوَّلَ سَعْدٌ عَنْ دِينِهِ. قَالَ: فَأَبَى عَلَيْهَا. فَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى غَشِيَ عَلَيْهَا. قَالَ: فَأَتَاهَا بَنُوهَا فَسَقَوْهَا. قَالَ: فَلَمَّا أَفَاقَتْ دَعَتِ اللَّهَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} إِلَى قَوْلِهِ: {فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} "
[وفي رواية] : قَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ لِسَعْدٍ:"أَلَيْسَ اللَّهُ قَدْ أَمَرَ بِالْبِرِّ، فَوَاللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَمُوتَ أَوْ تَكْفُرَ قَالَ: فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا، ثُمَّ أَوْجَرُوهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} "
قَالَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ:"نَزَلَتْ فِيَّ: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} قَالَ: لَمَّا أَسْلَمْتُ، حَلَفَتْ أُمِّي لَا تَأْكُلُ طَعَامًا وَلَا تَشْرَبُ شَرَابًا، قَالَ: فَنَاشَدْتُهَا أَوَّلَ يَوْمٍ، فَأَبَتْ وَصَبَرَتْ؛ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي نَاشَدْتُهَا، فَأَبَتْ؛ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ نَاشَدْتُهَا فَأَبَتْ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ لَخَرَجَتْ قَبْلَ أَنْ أَدَعَ دِينِي هَذَا؛ فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ، وَعَرَفَتْ أَنِّي لَسْتُ فَاعِلًا أَكَلَتْ"