وقال القرطبي:
قوله تعالى: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} أي نعظّمك ونمجدك ونطهّر ذكرك عما لا يليق بك مما نسبك إليه الملحدون؛ قاله مجاهد وأبو صالح وغيرهما.
وقال الضحاك وغيره: المعنى نطهّر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك.
وقال قوم منهم قتادة: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} معناه نصلّي.
والتقديس: الصلاة.
قال ابن عطية: وهذا ضعيف.
قلت: بل معناه صحيح؛ فإن الصلاة تشتمل على التعظيم والتقديس والتسبيح،"وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فِي ركوعه وسجوده:"سُبُّوح قُدّوس ربُّ الملائكة والرُّوح""روته عائشة أخرجه مسلم.
وبناء"قدس"كيفما تصرّف فإن معناه التطهير؛ ومنه قوله تعالى: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَة} [المائدة: 21] أي المطهّرة.
وقال: {الملك القدوس} [الحشر: 23] يعني الطاهر؛ ومثله: {بالواد المقدس طُوًى} [طه: 12] وبيت المَقْدِس سُمِّيَ به لأنه المكان الذي يُتقدّس فيه من الذنوب أي يتطهّر؛ ومنه قيل للسَّطْل: قَدَس؛ لأنه يُتوضأ فيه ويُتطهّر؛ ومنه القادوس.
وفي الحديث:"لا قُدّسَتْ أمّةٌ لا يؤخذ لضعيفها مِن قَوِيّها"يريد لا طهّرها الله؛ أخرجه ابن ماجه فِي سُنَنه.
فالقُدْس: الطُّهْر من غير خلاف؛ وقال الشاعر:
فأدْرَكْنَه يأخُذْنَ بالسّاق والنَّسَا ... كما شَبْرَقَ الولدانُ ثَوْبَ المُقَدَّس
أي المطهّر.
فالصلاة طُهرةٌ للعبد من الذُّنوب، والمُصَلِّي يدخلها على أكمل الأحوال لكونها أفضل الأعمال، والله أعلم. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 377}
فصل
قال الفخر:
إن قيل قوله: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} كيف يصلح أن يكون جواباً عن السؤال الذي ذكروه قلنا قد ذكرنا أن السؤال يحتمل وجوهاً: أحدها: فيكون قوله: {أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} جواباً له من حيث إنه قال تعالى لا تتعجبوا من أن يكون فيهم من يفسد ويقتل فإني أعلم مع هذا بأن فيهم جمعاً من الصالحين والمتقين وأنتم لا تعلمون.