وثانيها: أنه للغم فيكون الجواب لا تغتموا بسبب وجود المفسدين فإني أعلم أيضاً أن فيهم جمعاً من المتقين، ومن أقسم علي لأبره.
وثالثها: أنه طلب الحكمة فجوابه أن مصلحتكم فيه أن تعرفوا وجه الحكمة فيه على الإجمال دون التفصيل.
بل ربما كان ذلك التفصيل مفسدة لكم ورابعها: أنه التماس لأن يتركهم فِي الأرض وجوابه إني أعلم أن مصلحتكم أن تكونوا فِي السماء لا فِي الأرض، وفيه وجه خامس: وهو أنهم لما قالوا: {نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ} قال تعالى: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وهو أن معكم إبليس وأن فِي قلبه حسداً وكبراً ونفاقاً.
ووجه سادس: وهو أني أعلم ما لاتعلمون فإنكم لما وصفتم أنفسكم بهذه المدائح فقد استعظمتم أنفسكم فكأنكم أنتم بهذا الكلام فِي تسبيح أنفسكم لا فِي تسبيحي ولكن اصبروا حتى يظهر البشر فيتضرعون إلى الله بقولهم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} [الأعراف: 44] وبقوله: {والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى} [الشعراء: 82] وبقوله: {وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين} [النمل: 19] . انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 160}
فصل
قال القرطبي:
اختلف علماء التأويل فِي المراد بقوله تعالى:"مَا لاَ تَعْلَمُونَ".
فقال ابن عباس: كان إبليس لعنه الله قد أعجب ودخله الكبر لما جعله خازن السماء وشرفه، فاعتقد أن ذلك لمزِيّة له؛ فاستخف الكفر والمعصية فِي جانب آدم عليه السلام.
وقالت الملائكة: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} وهي لا تعلم أن فِي نفس إبليس خلاف ذلك؛ فقال الله تعالى لهم: {إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} .
وقال قتادة لما قالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} وقد علم الله أن فيمن يستخلق فِي الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة قال لهم"إنِّي أعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ".
قلت: ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون ومما هو كائن؛ فهو عام. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 378}