قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: لعلكم تتقون بعبادتكم ربَّكم الذي خلقكم، وطاعتِكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه، وإفرادكُم له العبادة لتتقوا سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم، وتكونُوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم.
وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويل قوله:"لعلكم تتقون": تُطيعون.
قال أبو جعفر: والذي أظن أنّ مجاهدًا أراد بقوله هذا: لعلكم أنْ تَتقوا رَبَّكم بطاعتكم إياه، وإقلاعِكم عن ضَلالتكم.
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فكيف قال جل ثناؤه:"لعلكم تتقون"؟ أوَلم يكن عالمًا بما يصيرُ إليه أمرُهم إذا هم عبدوه وأطاعُوه، حتى قال لهم: لعلكم إذا فعلتم ذلك أن تتقوا، فأخرج الخبر عن عاقبة عبادتهم إياه مخرج الشكّ؟
قيل له: ذلك على غير المعنى الذي توهَّمتَ، وإنما معنى ذلك: اعبدُوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة، كما قال الشاعر:
وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ، لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ! وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ
فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ ... كَلَمْحِ سَرَابٍ فِي الْفَلا مُتَأَلِّقِ
يريد بذلك: قلتم لنا كُفُّوا لنكفّ. وذلك أن"لعل"في هذا الموضع لو كان شَكًّا، لم يكونوا وثقوا لهم كل مَوْثق.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) }
وقوله:"الذي جَعل لكم الأرض فِرَاشًا"مردود على"الذي"الأولى في قوله"اعبدُوا ربكم الذي خَلقَكم"، وهما جميعًا من نَعت"ربكم"، فكأنّه قال: اعبدُوا ربكم الخالقكُم، والخالقَ الذين من قبلكم، الجاعلَ لكم الأرض فراشًا. يعني بذلك أنّه جعل لكم الأرض مهادًا مُوَطَّأً وقرارًا يُستقرّ عليها.