(فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) . اعلم! أن هذه"الفاء"تشير إلى انهم أوقدوا النار ليستضيؤا فاضاءت فاطمأنوا بالاستضاءة فتعقبهم الخيبة وسقطوا فِي أيديهم. وما أشد تأثير العدم عليهم فِي آن انتظار الحصول!. ثم أن هذه الشرطية تستلزم استلزام الاضاءة لذهاب النور. وخفاء هذا الاستلزام يشير إلى تقدير ما يظهر
به اللزوم هكذا: فلما اضاءت استضاؤا بها فاشتغلوا.. فلم يحافظوا.. فلم يهتموا بها ، ولم يعرفوا قدر النعمة فيها.. فلم يمدوها.. فلم يديموها ؛ فانطفأت. لأنه لما كانت الغفلة عن الوسيلة للاشتغال بالنتيجة - بسر (اِنَّ الاِْنْسَانَ لَيَطْغَى _ اَن رَآهُ اِسْتَغْنَى) - سبباً لعدم الإدامة المستلزم للانطفاء كان كأن نفسَ الاضاءة سبب لذهاب النور.
أما جملة (وتركهم فِي ظلمات) فبعدما أشار إلى خسرانهم بذهاب النعم بزوال النور عقبه بخذلانهم بنزول النقم بالسقوط فِي الظلمات.
أما جملة (لا يبصرون) فاعلم! أن الإنسان إذا اظلم عليه وأضل السبيل فقد يسكن ويتسلى برؤية رفقائه ومرافقه ، وإذا لم يبصرهما كان السكون مصيبة عليه كالحركة بل أوحش.
أما (صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون) فاعلم! أن الإنسان إذا وقع فِي مثل هذا البلاء قد يتسلى ويأمل ويرجو النجاة من جهات أربع مترتبة:
فأولاً: يرجو أن يسمع تناجي الخلق من القرى أو أبناء السبيل ؛ إن يستمِدْ يَمدّوه. ولما كانت الليلة ساكنة بكماءَ استوى هو والأصم ، فقال:"صُم"لقطع هذا الرجاء.
وثانياً: يأمل انه إن نادى أو استغاث يُحتمل أن يسمع أحدٌ فيغيثه ، ولما كانت الليلة صماء كان ذو اللسان والأبكم سواء فقال:"بُكم"لإلقامهم الحجر بقطع هذا الرجاء أيضاً.
وثالثاً: يأمل الخلاص برؤية علامة أو نار أو نيّرٍ تشير له إلى هدف المقصد. ولما كانت الليلة طامية رمداء عبوسة عمياء كان ذو البصر والأعمى واحداً فقال:"عُميٌ"لإِطفاء هذا الأمل أيضاً.