فالجواب: أن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقاً لقوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ} [الضحى: 11] وأيضاً فيحتمل أن يكون قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ} ليس المراد مدح النفس ، بل المراد بيان أن هذا السؤال ما أوردناه لنقدح به فِي حكمتك يا رب فإنا نسبح بحمدك ونعترف لك بالإلهية والحكمة فكأن الغرض من ذلك بيان أنهم ما أوردوا السؤال للطعن فِي الحكمة والإلهية.
بل لطلب وجه الحكمة على سبيل التفصيل ، أما الوجه الرابع: وهو أن قولهم: {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} يشبه الاعتذار فلا بدّ من سبق الذنب ، قلنا نحن نسلم أن الأولى للملائكة أن لا يوردوا ذلك السؤال ، فلما تركوا هذا الأولى كان ذلك الاعتذار اعتذاراً من ترك الأولى فإن قيل أليس أنه تعالى قال: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول} [الأنبياء: 27] فهذا السؤال وجب أن يكون بإذن الله تعالى ، وإذا كانوا مأذونين فِي هذا السؤال فكيف اعتذروا عنه ؟ قلنا العام قد يتطرق إليه التخصيص.
أما الوجه الخامس: وهو أن إخبار الملائكة عن الفساد وسفك الدماء ، إما أن يكون حصل عن الوحي أو قالوه استنباطاً وظناً ، قلنا اختلف العلماء فيه ، فمنهم من قال: إنهم ذكروا ذلك ظناً ثم ذكروا فيه وجهين: الأول: وهو مروي عن ابن عباس والكلبي أنهم قاسوه على حال الجن الذين كانوا قبل آدم عليه السلام فِي الأرض.
الثاني: أنهم عرفوا خلقته وعرفوا أنه مركب من هذه الأخلاط الأربعة فلا بّد وأن تتركب فيه الشهوة والغضب فيتولد الفساد عن الشهوة وسفك الدماء عن الغضب.