والدليل على أن الإمام إذا عزل نفسه انعزل قول أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه: أقيلوني أقيلوني.
وقول الصحابة: لا نقيلك ولا نستقيلك ، قدّمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فمن ذا يؤخرك! رضِيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فلا نرضاك! فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا ، وليس لك أن تفعله.
فلما أقرّته الصحابة على ذلك علم أن للإمام أن يفعل ذلك ؛ ولأن الإمام ناظر للغير فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم ، والوكيل إذا عزل نفسه.
فإن الإمام هو وكيل الأمة ونائب عنها ، ولما اتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره فِي شيء له أن يعزل نفسه ، كذلك الإمام يجب أن يكون مثله.
والله أعلم.
فائدة: إذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل الحَلّ والعَقْد أو بواحد على ما تقدّم وجب على الناس كافّةً مبايعته على السمع والطاعة ، وإقامة كتاب الله وسُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن تأبَّى عن البَيعة لعُذْر عُذِر ، ومن تأبَّى لغير عذر جُبر وقُهر ؛ لئلا تفترق كلمة المسلمين.
وإذا بويع لخليفتين فالخليفة الأوّل وقُتل الآخر ؛ واختلف فِي قتله هل هو محسوس أو معنًى فيكن عزله قتلَه ومَوْته.
والأوّل أظهر ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما"رواه أبو سعيد الخُدْرِيّ أخرجه مسلم.
وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول:"ومن بايع إماما فأعطاه صفقةَ يدِه وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر"رواه مسلم أيضاً ؛ ومن حديث عَرْفجةً:"فاضربوه بالسيف كائناً من كان"وهذا أدلّ دليل على منع إقامة إمامين ؛ ولأن ذلك يؤدّي إلى النفاق والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم ؛ لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك ؛ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.