وبعضهم يستدل بهذا على أن الأصل فِي الأشياء الإباحة عقلاً لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها ويمكن أن يقال بل بهذه الآية وإلا كان تصرفاً فِي ملك الغير من غير إذنه . ولا يلزم من أنه تعالى خلق ما فِي الأرض لأجل المكلفين أن يكون فعله معللاً بغرض ، وإن كان لا يخلو من فائدة وغاية ، وإلا كان عبثاً لأنه لا يلزم من استتباع الفعل الغاية أن تكون تلك الغاية علة لعلية فاعلة ، لأن هذا فيما إذا كانت فاعليته ناقصة لتتكمل بتلك الغاية ، أما إذا كانت فاعليته تامة فإنه يوجد الشيء ذا الغاية من غير أن تكون تلك الغاية حاملة له على ذلك ، وهذا فرق دقيق يتنبه له من يسر عليه قيل: إنه تعالى خلق الكل للكل ، فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلاً ، قلنا: قابل الكل بالكل فيقتضي مقابلة الفرد للفرد ، والتعيين يستفاد من دليل منفصل . والاستواء بمعنى الانتصاب ضد الاعوجاج من صفات الأجسام ، وإنه تعالى منزه عن ذلك . وأيضاً"ثم"تقتضي التراخي ، فلو كان المراد بهذا الاستواء العلو بالمكان لكان ذلك العلو حاصلاً أزلاً ولم يكن متأخراً عن خلق ما فِي الأرض ، فيجب التأويل . وتقريره أن يقال: استوى العود إذا اعتدل ، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء ومنه استعير قوله {ثم استوى إلى السماء} [فصلت: 11] أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما فِي الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر . والمراد بالسماء جهات العلو كأنه قيل: ثم استوى إلى فوق ، أو هذا كقولك لآخر"اعمل هذا الثوب"وإنما معه غزل . على أنها كانت دخاناً ثم سواها سبع سموات . و"ثم"ههنا إما للتراخي فِي الوقت والمراد أنه حين قصد إلى السماء لم يحدث فيما بين ذلك أي فِي تضاعيف القصد إليها خلقاً آخر كما قلنا ، أو للتفاوت بين الخلقين . وفضل خلق السماوات على خلق الأرض كقوله {فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر} [