احدها: الاخبار بالغيب وكان كما أخبر. ألا ترى أن الملايين من الكتب العربية مع التمايل إلى تقليد أسلوب التنزيل وكثرة المعاندين لو فتشتها ؛ لم يوافقه شيء منها. كأن نوعه منحصر فِي شخصه. فأما هو تحت الكل وهو باطل بالاتفاق. فما هو الا فوق الكل.
والوجه الثاني: أن القطع والجزم بعدم فعلهم مع التقريع عليهم وتحريك أعصابهم فِي هذا المقام المشكل وفي هذه الدعوى العظيمة علامة صادقة على انه واثق امين مطمئن بماله ومقاله.
والوجه الثالث: أن القرآن كأنه يقول: إذا كنتم أمراء الفصاحة وأشد الناس احتياجاً إليها ولم تقتدروا لم يقتدر عليه البشر. وكذا فيه إشارة إلى أن نتيجة القرآن التي هي الإسلامية كما لم يقتدر على نظيرها الزمان الماضي ؛ كذا يعجز عن مثلها الزمان المستقبل.
وأما نظم (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة) فاعلم! أن تعقيب"ان لم تفعلوا"بـ"فاتقوا"يقتضي فِي ذوق البلاغة تقديراً هكذا: أن لم تفعلوا ولن.. ظهر انه معجز ، فهو كلام الله ، فوجب عليكم الإيمان به وامتثال أوامره... ومن الأوامر يا أيها الناس اعبدوا لتتقوا النار فاتقوا النار. فاوجز فاعجز.
وأما نظم (التي وقودها الناس والحجارة) فاعلم! أن المقصد من (فاتقوا) هو الترهيب ، ومعنى الترهيب انما يؤكد بالتهويل والتشديد فهوّله بـ (وقودها الناس) إذ النار التي حطبها كان إنسانا أخوف وأدهش.. ثم شدده بعطف الحجارة ؛ إذ ما تحرق الحجرَ أشد تأثيراً.. ثم أشار إلى الزجر عن عبادة الأصنام: أي لو لم تتمثلوا أمر الله ، وعبدتم أحجاراً لدخلتم ناراً تأكل العُبّاد ومعبوداتهم.
وأما نظم (اعدت للكافرين) فهو انها توضيح وتقرير لزوم جزاء الشرط لفعله: أي هذه المصيبة ليست كالطو فإن وسائر المصائب التي لاتصيب الظالمين خاصة بل تعم الأبرار والأخيار ؛ فانما هذه تختص بالجانين يجرّها الكفرُ لاسبيل للنجاة الا امتثال القرآن.