{فأماته الله مائة عام ثم بعثه} [البقرة: 259] {فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} [البقرة: 242] {ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} [البقرة: 56] {وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم} [الكهف: 19] {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} [الأنبياء: 84] واعلم أن هذه الآية دالة على أمور منها: اشتمالها على وجود ما يدل على الصانع القادر العلم الحي السميع البصير الغني عما سواه . ومنها الدلالة على أنه لا قدرة على الإحياة والإماتة إلا الله ، فيبطل قول الدهري {وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] ومنها الدلالة على صحة الحشر والنشر مع التنبيه على الدليل القطعي الدال عليه ، لأن الإعادة أهون من الإبداء . ومنها الدلالة على التكليف والترغيب والترهيب ، ومنها الدلالة على وجوب الزهد فِي الدنيا لأنه قال: {فأحياكم} أي بعقب كونكم نطفاً من غير تخلل حالة أخرى بينهما ، ثم يميتكم بعد انقضاء مهلة الحياة ، ثم بيّن أنه لا يترك على هذا الموت بل لا بد من حياة ثانية للسؤال أو للحشر ، ثم من الرجوع إليه للثواب أو العقاب . فبين سبحانه أنه بعد ما كان نطفة فإنه أحياه وصوّره أحسن صورة وجعله بشراً سوياً وأكمل عقله وبصره بأنواع المضار والمنافع ، وملكه الأموال والأولاد والدور والقصور . ثم إنه تعالى يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئاً ولا يبقى منه فِي الدنيا خبر ولا أثر ، ويبقى مدة مديدة فِي اللحد {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} [المؤمنون: 100] ينادي فلا يجيب ، ويستنطق فلا يتكلم ، ثم لا يزوره الأقربون بل ينساه الأهل والبنون .
يمرّ أقاربي بحذاء قبري ... كأن أقاربي لم يعرفوني