واعلم! أن الجملة الأولى: أعني (هو الذي خلق لكم ما فِي الأرض جميعاً) نظمها بخمسة أوجه:
الأول: أن الآية الأولى إشارة إلى نعمة الحياة والوجود، وهذه تشير إلى نعمة البقاء وأسبابه.
والثاني: انه لما اثبتت الأولى للبشر أعلى المراتب أعني الرجوع إليه تعالى تنبه ذهن السامع للسؤال بـ"اين لهذا الإنسان الذليل استعداد لهذه المرتبة العالية إلاّ أن يكون بفضله تعالى وجذبه؟". فكأن هذه الجملة تقول مجيبة عن ذلك السؤال أن للإِنسان عند خالقه الذي سخر له جميع الدنيا لموقعا عظيما.
والثالث: انه لما أشارت الأولى إلى وجود الحشر والقيامة للبشر ذهب السامع إلى سؤال: ما أهمية البشر حتى تقوم القيامة لأجله ويخرب العالم لسعادته؟ فكأن هذه الجملة تجيبه بـ"ان من هُيّئَ جميع ما فِي الأرض لاستفادته وسُخّر له الأنواع له أهمية عظيمة تشير إلى انه هو النتيجة للخلقة".
والرابع: أن الأولى أشارت بـ (اليه ترجعون) إلى رفع الوسائط وانحصار المرجعية فيه تعالى. والحال أن للبشر فِي الدنيا مراجع كثيرة، فهذه الجملة تقول أيضاً أن الأسباب والوسائط تشفّ عن يد القدرة، وأن المرجع الحقيقي فِي الدنيا انما هو الله تعالى وإنما توسطت الأسبابُ لحِكَم فإنه تعالى هو الذي خلق للإِنسان كل ما يحتاج إليه.
والخامس: أن الأولى لما أشارت إلى السعادة الأبدية أشارت هذه إلى سابقةِ فضلٍ يستلزم تلك السعادة ذلك الفضلُ أي من اُحسن إليه جميع ما فِي الأرض لحقيقٌ بأن يعطى له السعادة الأبدية.
وجملة (ثم استوى إلى السماء) نظمها بأربعة أوجه.
الأول: أن السماء رفيقة الأرض لا يَتصورُ الأرضَ أحدٌ إلاّ ويخطر فِي ذهنه السماء.
والثاني: أن تنظيم السماء هو المكمِّل لوجه استفادة البشر مما فِي الأرض.
والثالث: أن الجملة الأُولى أشارت إلى دلائل الإحسان والفضل وهذه تشير إلى دلائل العظمة والقدرة.