{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا} وصدّقوا بالقرآن، وبما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهو محمد وأصحابه. والفاء؛ للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما يدل عليه ما قبلها، كأنّه قيل: فيضربه فأما الذين آمنوا {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} ؛ أي: أنّ ضرب المثل بالبعوضة والذباب هو الأمر الْحَقُّ الثابت الذي لا يسوغ إنكاره حال كونه {مِنْ رَبِّهِمْ} لا من محمد، فلا يسوغ إنكاره؛ لأنّه ليس عبثا، بل هو مشتمل على الحكم والفوائد، فيؤمنون به. والجار والمجرور حال من الضمير المستكن في {الْحَقُّ} ، أو من الضمير العائد إلى المثل؛ أي: كائنا منه تعالى، فيتفكرون في هذا المثل الحقّ، ويوقنون أنّ الله هو خالق الكبير والصغير، وكلّ ذلك في قدرته سواء، فيؤمنون به.
والمعنى: أي فالمؤمنون يقولون: ما ضرب الله هذا المثل إلّا لحكم ومصالح اقتضت ضربه لها، وهي تقرير الحقّ، والأخذ به، فهو إنّما يضرب لإيضاح المبهم بجعل المعقولات تلبس ثوب المحسوسات، أو تفصيل المجمل لبسطه وإيضاحه.
{وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} وجحدوا بما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم وهم اليهود والمشركون، {فـ} يتعجّبون من ذلك المثل، و {يقولون} إنكارا له: {ماذا} ؛
أي: أيّ شيء ، أو ما الغرض الذي {أَرادَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {بِهذا} المثل الخسيس الذي هو التمثيل بالأشياء الحقيرة من البعوضة والذباب. وفي كلمة {هذا} تحقير للمشار إليه، واسترذال له. {مَثَلًا} ؛ أي: من جهة كونه مثلا من الأمثال، فهو تمييز ذات من اسم الإشارة؛ أي: أيّ فائدة وأيّ غرض في ضرب المثل بهذه الأشياء الخسيسة؟ فليس من الله، بل افتراء من محمّد.
قال في «الروح» : الأصل: ماذا أراد الله بهذا المثل؟ فلما حذف الألف واللام نصب على الحال؛ أي: ماذا أراد الله بهذا حال كونه ممثّلا به، أو على التمييز؛ أي: من جهة كونه مثلا.