فلما نزل فرعون من منزلة الألوهية ، وطلب الاستعانة بالملأ من قومه التفتوا إلى كذبه ، ووجدوا الفرصة مواتية للخلاص منه ، ومما يدل على أن أكثرهم وجمهرتهم كانوا يجارونه على مضض ، وينتظرون لحظة الخلاص من قَهْره وكذبه ؛ لذلك قالوا: {قالوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ}
{أَرْجِهْ} [الشعراء: 36] من الإرجاء وهو التأخير ، أي: أخّره وأخاه لمدة {وابعث فِي المدآئن حَاشِرِينَ} [الشعراء: 36] ابعث رسلك يجمعون السَّحارين من أنحاء البلاد ، ليقابلوا بسحرهم موسى وهارون . والمدائن: جمع مدينة .
يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)
وقال {سَحَّارٍ} [الشعراء: 37] بصيغة المبالغة {عَلِيمٍ} [الشعراء: 37] أي: بفنون السِّحْر وألا عيب السَّحَرة .
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38)
الميقات: أي الوقت المعلوم ، وفي آية أخرى: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة} [طه: 59] وكان يوماً مشهوداً عندهم ، ترتدي في الفتيات أبهى حُلَلها ، وكان يوم عيد يختارون فيه عروس النيل التي سيُلْقونها فيه ، فحدد اليوم ، ثم لم يترك اليوم على إطلاقه ، إنما حدد من اليوم وقت الضحى {وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى} [طه: 59] .
وفي لقطة أخرى حدد المكان ، فقال: {مَكَاناً سُوًى} [طه: 58] يعني: فيه سوائية ، إما باستواء المكان حتى يتمكّن الجميع من رؤية هذه المباراة السحرية ، بحيث تكون في ساحة مستوية الأرض ، أو يكون مكاناً سواسية متوسطاً بين المدائن التي سيجمع منها السحرة ، بحيث لا يكون متطرفاً ، يشقّ على بعضهم حضوره .
وهكذا تتكاتف اللقطات المختلفة لترسم الصورة الكاملة للقصة .
ونرى في هذه المشورة حِرْصَ الملأ على إتمام هذا اللقاء ، وأن يكون على رؤوس الأشهاد ، لأنهم يعلمون أنها ستكون لصالح موسى ، وسوف يفضح هذا اللقاءُ كذبَ فرعون في ادعائه الألوهية .