فقال موسى عليه السلام: {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني ، وذلك لأنه أراد بالمشرق طلوع الشمس وظهور النهار ، وأراد بالمغرب غروب الشمس وزوال النهار ، والأمر ظاهر في أن هذا التدبير المستمر على الوجه العجيب ، لا يتم إلا بتدبير مدبر ، وأما قوله: {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} فكأنه عليه السلام قال: إن كنت من العقلاء ، عرفت أنه لا جواب عن سؤالك ، إلا ما ذكرت ، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته بنفس حقيقته . وقد ثبت أنه لا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته ولا بأجزاء حقيقته . فلم يبق إلا أن أعرف حقيقته بآثار حقيقته . وأنا قد عرفت حقيقته بآثار حقيقته ، فقد ثبت أن كل من كان عاقلاً ، يقطع بأنه لا جواب عن هذا السؤال إلا ما ذكرته .
ثم قال الرازيّ: وقد بينا في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] ، أن حقيقة الإله سبحانه من حيث هي ، هي غير معقولة للبشر ، انتهى .
وقال الإمام ابن حزم في"المِلَل والنِّحَل"في الكلام في المائية: ذهب طوائف من المعتزلة إلى أن الله تعالى لا مائية له . وذهب أهل السنة وضرار بن عَمْرو ، إلى أن لله تعالى مائية . قال ضرار: لا يعلمها غيره . قال ابن حزم: والذي نقول به ، وبالله تعالى التوفيق ، أن له مائية هي إنيّته نفسها ، وإنه لا جواب لمن سأل: ما هو البارئ ، إلا ما أجاب به موسى عليه السلام ؛ إذ سأله فرعون: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} ؟ ونقول أنه لا جواب هاهنا لا في علم الله تعالى ولا عندنا ، إلا ما أجاب به موسى عليه السلام . لأن الله تعالى حمد ذلك منه وصدق فيه . ولو لم يكن جواباً صحيحاً تامّاً لا نقص فيه ، لما حمده الله تعالى .