ولما كان المقصود الإبلاغ في التسلية ، عدي الفعل ب"في"دلالة على أنه عمهم بالإبلاغ كما يعم المظروف الظرف ، حتر لم يدع واحداً منهم إلا أبلغ في أمره فقال: {فيهم رسولاً منهم} فكان القياس يقتضي مبادرتهم لاتباعه لعلمهم بما حل بمن قبلهم لأجل التكذيب ، ولمعرفتهم غاية المعرفة لكون النبي منهم ، بما جعلناه عليه المحاسن ، وما زيناه به من الفضائل ، ولأن عزه عزهم ، ولدعائه لهم إلى ما لا يخفى حسنه على عاقل ، ولا يأباه منصف ؛ ثم بين ما أرسل به بقوله: {أن اعبدوا الله} أي وحده لأنه لا مكافئ له ، ولذا حفظ اسمه فكان لا سمي له ؛ ثم علل ذلك بقوله: {ما لكم} ودل على الاستغراق بقوله: {من إله غيره} .
ولما كانت المثلات قد دخلت من قبلهم في المكذبين ، وأناخت صروفها بالظالمين ، فتسبب عن عملهم بذلك إنكار قلة مبالاتهم في عدم تحرزهم من مثل مصارعهم ، قال: {أفلا تتقون} أي تجعلون لكم وقاية مما ينبغي الخوف منه فتجعلوا وقاية تحول بينكم وبين سخط الله.
ولما كان التقدير: فلم يؤمنوا ولم يتقوا دأب قوم نوح ، عطف عليه قوله: {وقال الملأ} أي الأشراف الذين تملأ رؤيتهم الصدور ، فكأن ما اقترن بالواو أعظم في التسلية مما خلا منها على تقدير سؤال لدلالة هذا على ما عطف عليه.
ولما كانت القبائل قد تفرغت بتفرق الألسن ، قدم قوله: {من قومه} اهتماماً وتخصيصاً للإبلاغ في التسلية ولأنه لو أخر لكان بعد تمام الصلة وهي طويلة ؛ ثم بين الملأ بقوله: {الذين كفروا} أي غطوا ما يعرفون من أدلة التوحيد والانتقام من المشركين {وكذبوا بلقاء الآخرة} لتكذيبهم بالبعث.