الأصل في الفاء: العاطفة أن تفيد الترتيب والتعقيب: وهو مخالف لظاهر الآية؛ فالإهلاك يعقب مجيء البأس لا العكس. وقد أجيب عن ذلك بعدد من الأوجه أظهرها ما يأتي:
1 -المراد أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا. ومنه قوله تعالى:"إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. . . الآية". أي أردتم القيام وهو أقوى الأوجه. ولم يذكر الزمخشري والهمداني والجمل غيره.
2 -المراد بالإهلاك الخذلان، أي: أهلكناها بخذلان أهلها وهو اختيار ابن عطية، ونسبه الشهاب في ذلك إلى الاعتزال.
3 -أن الفاء: تفسيرية نحو: توضأ فغسل وجهه ثم يديه.
4 -أن الترتيب والتعقيب هو في القول فقط كأنه أخبر عن إهلاك كثير من القرى، فكان من أمرها مجيء البأس.
5 -أن القول ورد على القلب، أي على التقديم والتأخير. ذكره صاحب زاد المسير. وقال العكبري: القلب هنا لا حاجة إليه، فيبقى محض ضرورة.
6 -أن في الكلام كونًا مضمرًا. وتقديره: أهلكناها وكان بأسنا قد جاءها. قاله صاحب زاد المسير.
7 -المراد: أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا، أو بإرسال ملائكة العذاب إليها فجاءها بأسنا بالاستئصال. ذكر ذلك القرطبي وصاحب فتح القدير.
8 -أن البأس بمعنى الهلاك فهما متلازمان، ولا يحتاج معهما إلى ترتيب. وهو قول الفراء.
9 -أن الفاء: تفيد مطلق الجمع كالواو. وقد استدل لذلك بهذه الآية.
وآخر الأوجه هو أضعفها، وأولها أقواها، وما بينهما ليس بممتنع.
المسألة الثانية: حذف المضاف والضمير العائد:
اتفق المعربون على وجوب تقدير مضاف محذوف في قوله تعالى"فَجَاءَهَا"؛ أي: فجاء أهلها، وذلك لقوله تعالى:"أَوْ هُمْ قَائِلُونَ". واختلف في تقدير المضاف قبل قوله"قَرْيَةٍ"، أي:"كم من أهل قرية"، أو قبل"هَا": في قوله"أَهْلَكْنَاهَا"، أي: أهلكنا أهلها.
والجمهور على أنه لا ضرورة لتقديرها في هذين الموضعين؛ لأن القرى تهلك كما يهلك أهلها، والتقادير إنما تكون لأجل الحاجة، ولا حاجة تدعو للتقدير هنا.
وإذا حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه جاز في الضمير العائد وجهان: اعتبار المحذوف وعدم اعتباره. وقد ذكرنا اتفاق المعربين في قوله تعالى:"فَجَاءَهَا"