فلو قال عز وجل: (عند ذلك دعا زكريا) لكان جائزاً، بمثل معنى (هنالك) . ولكن العرب تضع المحل موضع اسم الوقت في مثل هذا، فيقولون: (كان ذلك حيث وَليَ زيدٌ) بمعنى حين وَليَ، وكذلك (هنالك) : مَحَلٌ يوضع موضع (عند) ، وقد يكون مجاز (هنالك) في هذا الموضع مَحَلاًّ؛ لأن ما ذَكَرَه عز وجل من هذه القصة، يكون مضمناً لوقت ومحل؛ لأنه لا يكون إلا في محل؛ كما لا يكون إلا في وقت؛ فلما لم يجز أن يكون إلا في محل؛ احتمل أن يومئ إلى ذلك المحل بقوله: {هُنَالِكَ} ، و (هناك) ، و (هنالك) لأصلُ فيهما: [هنا] ، ثم زيدت الكاف؛ للخطاب، كما قالوا في (ذا) : (ذاك) .
ومن قال: (هنالك) فتقديره تقدير (ذلك) ، والكاف فيهما للخطاب. وقول زهير:
هنالك إنْ تُسْتَخبَلُوا المالَ تُخبِلُوا
يحتمل (هنالك) أن يكون لمحل، وأن يكون لوقت.
و (هنالك) ، و (هناك) و (هنا) ، و (ههنا) ، شيء واحد، إلا أن (هنا) ، و (ههنا) ، لم يُذكرا في شيء من الأوقات، وإنما ذُكرا في المحالِّ القريبة منك.
قال الزجَّاج: و (هنالك) في موضع نصب، لأنه ظرف؛ ويقع في المكان من الزمان والحال.
[ومعنى قوله: {هُنَاِلكَ دَعَا} ؛ أي: في ذلك المكان من الزمان والحال] دعا.
قال أهل التفسير: لمَّا رأى زكريا ما أوتي مريم من فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف على خلاف مجرى العادة، طمع في رزق الولد من العاقر، على خلاف مجرى العادة، فدعا الله عز وجل، فقال: {هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ} . أي: من عندك. و (لَدُن) اسمٌ غير متمكن، ونذكر حقيقته، وما قيل فيه، في سورة الكهف إن شاء الله.
وقوله تعالى: {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} . أي: نسلاً مباركاً تقياً. والذُّرِّية)؛ يكون واحدًا وجمعًا، وذكرًا وانثى.
والمراد بـ (الذُّرِّيَّة) ههنا: ولدٌ واحدٌ؛ لقوله: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم: 5] .
قال الفرَّاء: وأنَّث الـ (طَيِّبَة) ؛ لتأنيث لفظ الذرية؛ كما قال الشاعر: